اللقطة السينمائية الصغيرة وميض إبداعي له سحر أخاذ لا ينتهي، تطل من خلال شاشة عرض بيضاء، سرعان ما تتحول إلى نافذة عريضة تتنوع عليها الألوان، وتختلف مساحات الأضواء، لتضاهي أحياناً واقع الحياة، وتتحدث بلغتها أو بلغات متنوعة، وتتلون من خلالها تجارب وأفكار صناعها، وكذلك جمهور المشاهدين في كل بقاع الدنيا.
وعشاق السينما يتابعون ذلك مشدوهين بإبهار ما تقدمه، فهي جسر عبورهم لعوالم أخرى، تأخذهم إلى حيث تريد، تحرك عقولهم، وتترك بصماتها على مشاعرهم، وتجعلهم في شوق لموعد آخر ينتظرونه بفارغ الصبر. هذا هو الهدف الذي من أجله أقيم مهرجان دبي السينمائي، حيث استطاع على مدار سنواته الخمس الماضية تفعيل علاقة خاصة مع جمهور السينما ورواده من مبدعي الفن السابع. ولأن لكل مهرجان صيغة وفهم وتوجه معين، فلا يخفى على أحد ثمار ما أحدثه مهرجان دبي السينمائي خليجيا وعربيا ودوليا، ومدى ما يصبو إليه، والحقيقة التي لا يمكن نكرانها أنه نما بسرعة على الرغم من عمره القصير، وازدهر من خلال إسهام عناصر متميزة في إدارته وأخرى في أقسامه وبرامجه المختلفة.
مع كل عام تتزايد الأعباء، هذا ما يؤكده عبد الحميد جمعة رئيس المهرجان، والذي استطاع «الحواس الخمس» ملاحقته في جولاته المكوكية لمتابعة ورصد أكثر من مهرجان سينمائي دولي، فبعد مهرجان تورمينا في إيطاليا، وزنجبار في أفريقيا، أوقفناه في محطة كارلوفيفاري الذي يقام حاليا في تشيكيا، وخطفنا منه الثواني والدقائق ليكشف لنا عن ملامح ما يتم التخطيط له للدورة السادسة المقبلة، والتي تقام في الفترة من 9 إلى 16 ديسمبر 2009.
اعترف جمعة أن «دبي السينمائي» مر بمرحلة المخاض، التي تبعها الانتشار والمعرفة، وأنه أصبح أكثر جديه بتركيزه على صناع السينما والأفلام، ومع دورته المقبلة تبوأ قائمة كونه الأهم في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، هذا بخلاف إسهاماته للفيلم العربي وتصديره لكل المهرجانات الإنتاجيات الأحدث والأقوى منها، بخلاف جوائزه لهذه الأعمال المهمة، ومساعدته لبعضها في البحث عن دعم لتكلفتها التنفيذية من خلال (ملتقى دبي السينمائي)، تلك المبادرة التي أرست معايير جديدة لطرح الأعمق والأجود، أيضا لا يمكن نسيان الدور الذي قدمه للسينما الخليجية ولفت الانتباه لها باعتبارها مجهولة عالميا.
وعن الملاحظات والمخاوف التي أبداها البعض من تأثر مهرجان دبي بالأزمة المالية العالمية سواء في دورته الماضية أو المقبلة علق جمعة قائلا: علمتنا هذه الأزمة أن نركز على أهدافنا السينمائية ونبرزها.
وان نهتم أكثر بالأفلام وصناعها، ويكفى القول أنه من المهم استمرارنا بنفس القوة التي بدأنا بها، ومثلا مهرجان كان السينمائي بتاريخه المعروف حافظ هذا العام على عدد أفلامه وضيوفه وإن قلص في ميزانيات بعض فعالياته، وهذا ما فعلناه العام الماضي نوعا ما، ونحاول توجيهه والاستفادة منه في الدورة المقبلة.
استشعر عبد الحميد جمعة أنني أبحث عن معلومات أكثر عن جديد الدورة السادسة فقال بصوت واضح على سماعة الهاتف: وقعنا شراكة مع «مؤسسة السينما العالمية»، وهي مؤسسة دولية أسسها المخرج القدير مارتن سكورسيزي بهدف التوعية بأهمية ترميم وحفظ الأفلام السينمائية، وتتولى هذه المؤسسة مسؤولية ترميم وحفظ النسخ الأصلية من الأفلام المنتجة خارج هوليوود،.
والتي تمثل علامات سينمائية بارزة لمختلف مناطق العالم، والتي قد تكون عرضة لخطر الضياع بسبب الإهمال أو سوء التخزين، أو نقص التمويل اللازم لترميمها وحمايتها، وستقوم هذه المؤسسة مع مهرجان دبي السينمائي سنويا بترميم عمل أو اثنين عربيا من مخزون تراثنا السينمائي ونعرضها على هامش برامج دوراتنا، وسيكون مارتن سكورسيزي ضيف أكثر أهمية على قائمة ضيوف الدورة المقبلة.
وأضاف أيضا: سيواصل مهرجان دبي إسهاماته في بناء قاعدة معلوماتية متخصصة ودقيقة عن صناعة السينما في العالم العربي، من خلال كتيب «تحت الضوء» الذي طرحه في دورته الخامسة، راصدا مستجدات سوق السينما العالمية عام 2008، وسنصدره في الدورة السادسة 2009 أيضا باتفاق مع مهرجان كان السينمائي، وسنتوسع في طبع إصدارات أخرى تتماشى مع ما نقدمه من برامج.
وأكمل جمعة حديثة: وقع الاختيار هذا العام على فرنسا لتكون تحت دائرة الضوء، وذلك تكريماً للتاريخ السينمائي الفرنسي، ولما قدّمته هذه الأمة من دعم للسينما العربية عبر الإنتاج المشترك على مدى عقود طويلة، ولا شك أن الأفلام الفرنسية تأتى اليوم على رأس قائمة الإبداعات السينمائية العالمية، بعد أن استطاعت تجديد روحها، والتأكيد على قوتها الإنتاجية.
وفى تعليق له على الروابط الوثيقة مع صناعة السينما الفرنسية، أكّد رئيس مهرجان دبي السينمائي الدولي بأن برنامج (فرنسا في دائرة الضوء) يأتي امتداداً للعلاقة الوثيقة بين صناعتي السينما العربية والفرنسية، واحتفالاً بالتعاون البنّاء بين هاتين الثقافتين، والذي نشأ عنه الكثير من الأعمال التي تستحق الوقوف عندها، وأن الدعم الذي قدّمته وما زالت تقدّمه صناعة السينما والتليفزيون في فرنسا للسينمائيين العرب هو دعم كبير، ونتطلع إلى استمرار هذا التعاون في المستقبل مع زيادة مبادرات الإنتاج المشترك وتبادل المواهب بين الأمتين العربية والفرنسية.
وعن كيفية توجه برنامج (تحت الضوء) ودوره في تعزيز دور السينما كأداة للتفاهم بين الثقافات ولبناء جسر ثقافي عالمي جديد، وهو الهدف الرئيسي في أوليات المهرجان، أجاب جمعة قائلا: إن بناء الجسر الثقافي أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة من تاريخ العالم، نظرا للحاجة إلى تعزيز أواصر الصداقة والتواصل بين شعوب العالم وثقافاتها.
كما أننا نسعى إلى تثقيف المجتمع المحلي حول صناعة السينما وبخاصة فئة الطلبة ممن يدرسون الإعلام بشكل عام وفن السينما على وجه الخصوص، ويعتبر المهرجان جزءا من خطة إستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تحويل دبي ودولة الإمارات إلى مركز لصناعة السينما، إضافة إلى أهداف المهرجان الأخرى الرامية إلى تشجيع صناعة السينما المحلية والخليجية.
وتدهش الجميع التفاصيل الصغيرة لمهرجان دبي السينمائي خصوصا حينما تكون ذات معنى ومغزى، وهذه التفاصيل يعمل عليها فريق كبير بعضه ثابت والآخر متعاون، وهي تترجم حجم الإنجاز الذي نراه في مده أسبوع، والذي يكون ثمرة تخطيط ومتابعة وتنفيذ على مدار عام كامل، هذا ما يلخصه جمعة عندما يلقي الضوء على منظومة العمل لإدارة المهرجان ويتابع: كل شيء مكتوب وموثق ومعمول له ألف حساب، وهناك تدوين لكل شيء من البداية إلي النهاية لأجيال مقبلة، يمكن أن تسير على رؤى واضحة وأهداف مطلوبة.
ترى .. ما هو شعورك عندما تنتظر بفارغ الصبر نتيجة امتحان بذلت مجهودا كبيرا للفوز به، خصوصا وأمامك منافسون آخرون؟، من المؤكد أنك ستبقى في حالة قلق أينما ذهبت أو جئت، هذا هو حال عبد الحميد جمعة وطاقم عمل المهرجان، دائما في سباق متواصل من أجل الانتقاء والتجويد، يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبهم الآخرون، لا يتركون كبيرة أو صغيرة إلا فحصوها ونمقوها، يرصدون كل شيء حتى بعد انتهاء المهرجان.
وبين كل دورة وأخرى يكلفون شركات بالبحث والاستقصاء حول رأى الجماهير ومردود الزوار وصناع السينما والرعاة، يسألون عن كل شيء وأي شيء، يصف ذلك رئيس المهرجان بقوله: هذه الاستطلاعات توجه بوصلتنا نحو الأفضل، وتدفع الجميع للعمل بحرص وإخلاص، لتقييم كفاءة الأداء، ما يتيح لنا عمليات التطوير، ومعرفة أين نقف وإلى أين نسير؟، هذا هو هاجسنا، لنكون دائما في الصدارة.
يستعرض (الحواس الخمس) في الصفحات التالية استطلاع قامت به شركة «نيلسن»، بالتعاون مع مهرجان دبي السينمائي، يرصد من خلال التحليل والجرافيك، مؤشرات الدورة السابقة، مسلطا الضوء على السلبيات والإيجابيات، بهدف تحريك الدورة المقبلة لمناطق أكثر فاعلية ورسم خريطة للتميز يحرص عليها المهرجان من اللحظة الأولى.
دبي - أسامة عسل

