عندما تتوالى موجات الرعب على المشاهد وهو جالس في ظلام دار العرض، يكتشف بعد انتهاء الفيلم، أن حياته العادية أمر يمكن احتماله، وأن متاعبه ومخاوفه اليومية أقل قسوة مما يراه على الشاشة، وأن المآسي التي تقع في مناطق عدة في العالم، أيسر من هذه الكوارث السينمائية، لذلك فإن هذه الأفلام في تيارها الأساسي، تعتبر وسيلة من وسائل الضغط الأيديولوجي، التي تعمل على شد انتباه الجمهور تجاه أخطار حقيقية يتعرض لها في واقعة المعاش.

ربما لن يتخيل البعض أن سطور هذه المقدمة الفكرية، هي المدخل لتقديم قراءة تحليلية لفيلم الرسوم المتحركة الأميركي (كورالين ـ Coraline) إنتاج عام 2009 وإخراج الأميركي هنري سليك، أو لعل من لم يشاهد الفيلم يتصور أنه يقدم معالجة سينمائية مبسطة لهذه القضية الكبيرة، لكن المفارقة الغريبة في هذا الفيلم أنه وضع نفسه في موقف معلق، فلا هو يقف على قدميه الصغيرتين كفيلم رسوم متحركة يخاطب العقليات الصغيرة قبل الكبيرة على اختلاف مستوياتها وثقافتها.ولا هو ارتفع إلى السماء وتخلص من طفوليته التي فرضها على نفسه، وبما أن الفيلم يلعب طوال الوقت لعبة الكمين، فعلينا أن نستخدم التعبير نفسه ونقول إن المخرج هنري سليك قد أوقع نفسه وفيلمه في كمين كبير خطير، تخطاه بصعوبة بالغة ونجاحات متفاوتة.

استلهم سيناريو المخرج هنري سليك رواية شهيرة بالاسم نفسه (كورالين)، صدرت في عام 2002 للمؤلف البريطاني المعاصر نيل جيمان، المتخصص في إبداع كتب الفانتازيا والرعب والخيال العلمي، ونال عنها جائزة أدبية مرموقة كأفضل رواية للقراء الشباب، وهي مصنفة بالفعل في خانتي الرعب والخيال العلمي.بناء الفيلم يرجع إلى حدث واحد فقط، وهو انتقال الطفلة كورالين جونز (صوت الشابة داكوتا فاننج)، التي تبلغ من العمر حوالي عشر سنوات، لتعيش في شقق القصر الوردي بصحبة والدتها (صوت تيري هاتشر) ووالدها (صوت جون هوجمان).

ولا داعي للتبحر في أنحاء هذا المكان القائم في منطقة متطرفة تشبه الغابة، لأنه في الحقيقة لا يوجد بها ما يميزها إلا المساحات الشاسعة جدا غير المستوية، التي تشبه الأحراش القديمة من حيث النباتات المهجورة وبقايا البئر المختبئ تحت الأرض، والأشجار المهملة والمساحات المجهولة التي تصلح تماما لارتكاب العديد من الجرائم المتوحشة.

وهذه هي المفارقة الحائرة بين العالم الجميل المهيأ للأطفال بما أننا نشاهد فيلما للرسوم المتحركة من حيث المبدأ، وبين العالم المقفر المفزع الذي يهيئنا لاستقبال المجهول الشرير.

انعكست بطبيعة الحال توجهات المؤلف الموسيقي برونو كوليس، التي اضطرت إلى مسايرة هذين العالمين المتناقضين، فقدمت في البداية موسيقى خفيفة مرحة تنبئ عن اقتراب وقوع أحداث مقبلة مهما كانت قوية ومفزعة، ثم اختلف حال الموسيقي مع استقبال البطلة الصغيرة لهذا العالم البارد من حولها.

وانقلبت الجمل إلى توترات موسيقية أشبه بتشنجات الآلات، التي تنتظر قدوم القاتل الملثم، حتى القط (صوت كيث ديفيد) الذي اختير لمصاحبة البطلة في معظم الأحداث، جاء نحيفا كئيبا كأنه الناجي الوحيد من مجاعة مظلمة اكتسحت مجتمع القطط الذي كان.

في هذا العالم الخارجي أيضا نتعرف على البطل الثاني للأحداث وهو الطفل الصغير ويبي (صوت روبرت بيلي جونيور)، الذي يتطوع بمفاجأة كورالين من الخلف لتصرخ وهو يرتدي قناعا معدنيا منيرا، ويؤكد لها ولنا مدى جفاف وجفاء هذه المنطقة الموحشة، ويخبرها أن جدته تمنعه تماما من دخول البيت الذي سكنته الصغيرة كورالين مع والديها، بعدما تم اختطاف شقيقتها التوأم في هذا البيت منذ سنوات بعيدة.

أما في داخل البيت فلم يكن الأمر يختلف كثيرا عن بقايا الأحراش في الخارج، حيث كانت كورالين تعيش وحيدة تماما في عزلة غريبة عن والديها، المنشغلين تماما في مهنة الكتابة عن تلبية طلباتها أو الانتباه لوجودها.

وبما أن الفراغ الذي تعيشه الصغيرة في هذا البيت الفارغ من الدفء قد زاد عن الحد كثيرا، فقد لجأت الصغيرة إلى النكش في الأبواب الخلفية أو أي شيء يوحي بالحركة والحياة التي تناسبها، وصحيح أن الباب الذي عثرت عليه الصغيرة كان مغلقا، ويحمل وراءه أحجارا صلبة من الطوب الأحمر، لكنها عوضت هذه الصدمة البائسة اليائسة في الواقع من خلال أحلامها، وبدأت في رسم عالم بديل متكامل تماما يحقق لها ما تعجز عنه في الحقيقة.

وفي هذا العالم البديل خلف الباب السري تحضر الأم الأخرى التي تبتسم في وجه ابنتها وتناقشها بمنتهى الهدوء، وتطهو لها أشهى الوجبات عوضا عن الأم الحقيقية التي تمنع الابتسام والتفاهم والطهو، وفي عالم الأحلام التعبيري وجدت الصغيرة كورالين شخصية الأب الآخر.

وتأكدت أنه متفرغ لها تماما بل ويعزف على البيانو بيدين طويلتين جدا ويحميها من تدخلات الأم وديكتاتوريتها المجحفة، لكن الأمر المشترك بين كل هؤلاء والمفارقة الغريبة من وجهة نظر الصغيرة، أن الجميع لهم عيون من الأزرار المستديرة، تماما مثل عيون الدمية التي أهداها لها الصغير ويبي في العالم الواقعي.

حتى هذه اللحظة كنا نعتقد أن مهام مدير التصوير بيت كوزاتشيك ومونتاج كريستوفر مورني ورونالد ساندرز والمشرف على المؤثرات المرئية برايانفانت هول والمشرف على المؤثرات الخاصة، ستتجه ناحية وضع خطوط اتصال وانفصال بين العالمين بطريقة أو بعدة طرق مبسطة تصلح لاستقبال مختلف المستويات حتى يسقط الحاجز الوهمي بين الاثنين، لكن يبدو أن المخرج أراد أن يقدم استعراضا طويلا لمهاراته في صنع تفاصيل صورة الأفلام المرعبة داخل عالم الرسوم المتحركة.

وهو المعروف بميله إلى تقديم أفلام الرعب مثلما قدم من قبل أحد أهم أفلامه (كابوس قبل الكريسماس)، كما يبدو أن المخرج أراد أن يقول كل شيء في عمل واحد، فإذا به يدخل بنا في سلسلة طويلة جدا من مغامرات أفلام الرعب، بين الطفلة الصغيرة كورالين وبقية أفراد عالم الأحلام أصحاب العيون الأزرار.

وهنا أيضا أفاض المخرج مع فريق عمله في صنع شبكة من اللقطات المرعبة، التي تخرج بالصغيرة في كمين لتدخل إلى آخر في تطويل زائد، وكان من الممكن أن يكون الفيلم أكثر إثارة ومرحا وحيوية وإقناعا ومصداقية، لو أن سيناريو المخرج قدم معالجة سينمائية أكثر بساطة تقف على قدمين وتعرف أهدافها بوضوح وتحديد لنوعية الجمهور المستهدف.

دبي ـ أسامة عسل