يقولون في الحواديت «ملوك يجمعون وأتباعهم يتوارثون».. ربما تكون تلك المقولة أكثر تعبيراً عن حال التحف الفرنسية، والتاريخ خير شاهدٍ على ذلك، فهو الوحيد القادر على إعطاء تلك التحف النادرة قيمتها.

وهي قيمة تستمدها من انقراضها بعد استخدامها من قبل ملوك وأمراء وأثرياء فرنسا، الذين كانوا الأقدر على تقديرها وتقييمها وإظهارها للعالم، فمنذ أن بدأت الحملات الفرنسية حول العالم وتلك التحف تنتقل من مكان إلى مكان، ومن مالك إلى مالك، ومن زمن إلى زمن، ومع ذلك لا تفقد أي شيء من قيمتها؛ إن لم تكن زادتها قيمة بعد اندثار العديد منها.بعد عدة قرون تقف تلك التحف لتتحدث عن أصالتها وفخامتها وجمالها بأغلى الأسعار، ولسان حالها يقول «إنني التحف الفرنسية التي لا تصل إلى مكان إلا وتجلب لهذا المكان العراقة والحضارة والأصالة».

لذلك كان من الطبيعي ألا يقدر قيمتها الفنية والتاريخية إلا من يستطيعون - بالزمن والخبرة - معرفة تاريخها وأصلها، ولذلك أحبها وعشقها الحاج فاروق عبدالعزيز الذي يعد أشهر هاوٍ للتحف الفرنسية في العالم العربي.هو ليس هاوياً فقط، ولكن خبير بهذه الأصول، يقول الحاج فاروق: «هواية جمع التحف هواية مكلفة، ولكن من يقع في غرامها لا يستطيع الفكاك منها فما بالك بالتحف الفرنسية التي تحمل في طياتها جمال وإبداع ملوك وأمراء وفناني ومبدعي فرنسا».وفاروق لا يتعامل مع هذه التحف إلا بمنطق العاشق لها، خصوصاً أنه يمتلك حساً إنسانياً يجعله غير قادر على عدم التفريط فيها.. ليس لأنه يحبها فقط، لكن لأنها ببساطة، على حسب قوله، تمثل أولاده الذين لم يمن الله عليه بهم.. فضلاً عن ذلك فهي من رائحة والده فهو الذي جعله يعشق هذا المجال وعلمه الكثير فيه.

50 عاماً قضاها الحاج فاروق في غرام التحف الفرنسية فأصبح لديه الكثير عن تاريخها وأصحابها وفنانيها، ويستطيع أيضاً التمييز بين التحف القديمة والتقليدية؛ غير أنه أخرج من تحت يده 35 خبيراً في التحف الفرنسية طبقاً للقانون المصري الذي حدده الرئيس المصري السابق جمال عبدالناصر.

والذي حدد- أي القانون- أن يكون الخبير حاصلاً على بكالوريوس تجارة، ولابد أن يتم تمرينه 3 سنوات متواصلة في صالة تحف لكي يخرج خبيراً، لذلك قام هاوي التحف الفرنسية بتمرين 35 خبيراً أعطاهم من خبرته وخبرة والده المزيد من جمال التحف.

الزمن الجميل

يقول هاوي التحف الفرنسية: بدأت علاقتي بالتحف منذ أن لاحظت والدي وهو ينظر إليها نظرة العاشق المحب لها، وعندما سألته لماذا تعشقها؟ أجابني أنك لو عرفت قيمتها لعشقتها أكثر مني لأنها تحمل معاني وملامح وتاريخ الزمن الجميل، زمن الملوك والأمراء والفنانين المبدعين الذين لا يوجد مثلهم الآن..

ويستطرد: عندما فكرت كثيراً فيما حدثني به والدى، وقرأت كتب التاريخ وعرفت ما تحمله وما تحتويه هذه التحِف أصبحت أكثر منه عشقاً؛ لأنني وقعت في غرامها، ولا أستطيع الاستغناء عنها. إنني لا أشعر بالسعادة إلا معها، ولا أستطيع وصف شعوري وأنا جالس بجوار تحفة من القرن ال16 أو القرن 17 فأنا أشعر أنني من هذا القرن، ولى عمر طويل تتحدث عنه الأجيال والعالم بأكمله.

شهود صامتون

التحف زمن وحكايات وتفاصيل وشهود صامتون على أفراح وأحزان وأوجاع، فهي الوحيدة التي تثبت أن للجمال روحاً، يقول: التحف والانتيكات تتميز بجمال خاص، وبمرور الزمن ارتقت فيها الناحية الجمالية والفنية فخرجت من دورها العملي في المنزل والقصور وتحولت إلى قطع فنية ديكورية.. مثل «الشمعدانات» التي كانت تستخدم في الإنارة.

ولكنها بدلاً من أن تقتصر على كونها اسطوانة نحاسية يوضع الشمع بداخلها تحولت إلى تمثال لفتاة رائعة الجمال ترفع بيدها شعلة تستقر بداخلها الشمعة فتحولت من مجرد مصباح إلى قطعة فنية.

«كريجر» من الأربعينات

ظهور التحف الفرنسية، كما يشير الحاج فاروق، بدأ منذ القرن ال16، واستمر للقرن العشرين، يقول: هذه التحف انتقلت من فرنسا أثناء الحروب أو عن طريق جلب الأمراء لها إلى مصر لاقتنائها في قصورهم، وخاصة أسرة محمد علي.

فلا يزال في قصر عابدين والقلعة «كريجر» من الأربعينات، و«الكريجر» مثل العربة التي تحمل البضائع، وكان «الكريجر» حينذاك هو الذي يحمل البضائع من فرنسا إلى مصر، لافتاً إلى أن الباشاوات والبهوات هم الذين أدخلوا الاستيل الفرنسي إلى مصر، وهو أشهر وأفضل أنواع التحف في العالم.

مقتنيات نادرة

ويضيف ان قيمة التحف تتحدد حسب مكان صناعتها، والسنة التي صنعت فيها، وهوية الأشخاص الذين صنعوها، ومن الذي كان يمتلكها، فمثلاً الاستيل الذي حددته فرنسا مثل استيل «لويكا تورز، لوكانز، لوسيز، نابليون بونابرت»، فكل استيل منها كان لملك يجمع هذه التحف، وكل ملك في هذا العصر كان يصنع له استيل خاص به، وهذه التحف تم صناعتها في باريس، وتوزعت على العالم بأكمله.

يمتلك الحاج فاروق عبر 50 عاماً عشرات التحف النادرة، ومنها «فاترينة تحف لوكانز فرنساوي» و«جروب برونز» مكون من ساعة واثنين شمعدان، إضافة إلى «جروب سيتي لي برونز» وكلها مقتنيات تابعة للقرن ال19.

بالإضافة إلى أروع التحف «الأبيسون الفرنسي» وهو تابلوه من النسيج اليدوي يرجع للقرن 19 أيضاً، وكما يؤكد الحاج فاروق فإن هذه التحف صنعت في باريس، وكانت لها شركات خاصة بها، حيث كانت التابلوهات تشغل في الأديرة بالطريقة اليدوية، وتأخذ في تصنيعها سنين عديدة إلى أن تكتمل، ولك أن تقدر جمالها بعينيك.

نجف وتابلوهات

من المقتنيات النادرة للحاج فاروق أيضاً «مرآة فرنسية» طولها 3 أمتار مرصعة بالذهب، ومعها 2 عمود رخام طولهما 3 أمتار ويعلو المرآة «تاج مذهب»، فضلاً عن «بيانو» .

وهو تحفة تعود لأواخر القرن ال18، وهناك مجموعة من التماثيل البرونزية، وجروب برونز بالرخام يعود لماري انطوانيت، بالإضافة إلى نجفة بالبرونز الفرنسي، وأخرى ماسية، هذا إلى جانب الصالونات الفرنسية التي تتكون من 2 كرسي مع كنبة.

لم يكتف الحاج فاروق بجمع ذلك فقط، ولكنه جمع العديد من الفاترينات الفرنسية، والمطلية بالبرونز، وأخرى فاترينة مطلية بالذهب الفرنسي، وترابيزة بالبرونز، وأخرى وسط ذهب فرنسي، وجميعها من الأثاث الذي كان يملأ به القصور والمكاتب.

في خزائن الرجل أيضاً «كاسوليت» برونز بالكرستال الفرنسي، نجفة فرنسية بالأوبالين والكاسوليت، رخام فرنسي بالبرونز، وطقم الشاي الفضة الألماني المكون من 5 قطع، إلى جانب طقم شاي معدن إنجليزي 5 قطع بالصينية، فضلاً عن مجموعة من الفضة الفرنسي، وساعة برونز فرنسية، وتابلوه هندي وغيرها من الأنتيكات.

الأغلى ثمناً

وحول أسعار تلك التحف الفرنسية، يقول الحاج فاروق إن الأسعار تختلف من تحفة لأخرى، فمثلاً أمتلك ساعة فرنسية يصل سعرها إلى 34 ألف جنيه، بالإضافة لساعة من البرونز مدمجة بتمثال وتحمل 4 إمضاءات من القرون الماضية وصل سعرها إلى 73 ألف جنيه، وهناك 2 فاز برسوم معركة نابليون عام 1806 وصلت إلى 46 ألف جنيه.

كل هذه المقتنيات من التحف الفرنسية النادرة، وهي تعتبر من أغلى أنواع التحف لرقي الطراز الذي تحتويه، ويوضح الحاج فاروق أن ثمن التحفة لا يحددها إلا عمرها؛ فكلما زاد عمرها زاد ثمنها، ولا يتقدم لشراء هذه الأشياء إلا أصحاب الطبقة العليا.

القاهرة: دار الإعلام العربية