في عام 2002 قدّم المخرج البريطاني ستيفن دالدري واحداً من الأفلام التي لن ينساها تاريخ السينما هو فيلم (الساعات ـ The Hours)، الذي تألقت فيه الممثلة نيكول كيدمان بأدائها شخصية الأديبة الإنجليزية فيرجينيا وولف واستحقت عنه أوسكار أفضل ممثلة، ومنذ ذلك الحين توارى ستيفن دالدري عن الأنظار ولم يظهر إلا في نهاية عام 2008، أي بعد ست سنوات من الغياب حاملاً معه فيلمه الجديد (القارئ ـ The Reader) الذي حصلت من خلاله أيضاً النجمة كيت وينسلت عن أوسكار أفضل ممثلة، في صدفة غريبة قلما تتكرر.

يعرض فيلم (القارئ) حالياً في دور السينما المحلية، ولأنه يحوي عدداً كبيراً من المشاهد الجنسية، الأمر الذي جعل مقص الرقيب يتعامل معه فهلّهله، وكان الأولى اتخاذ قرار بمنعه حتى لا يتم تشويهه، ما دعي الشركة الموزعة له إلى عرضه على استحياء لمن فوق 18 عاماً، وفي صالات ضيقه وبعدد محدود من النسخ.والقارئ فيلم آخر عن معسكرات اعتقال النازي، ولكن بصورة لم نعتدها من هوليوود، فأفلامها العامة عن الهولوكوست هي أفلام أغراضها تتراوح بين عرض مأساة اليهود في معسكرات الاعتقال والتعذيب وأفران الحرق لتتعاطف معهم، أو إقرار بتلك المذابح التي يحاول البعض إنكارها، أو توثيق لروايات معينة خلال تلك الفترة لتظل القضية حية ولا تذهب إلى عالم النسيان.

القارئ فيلم مختلف، مأخوذ عن رواية ألمانية تحمل نفس الاسم صدرت عام 1995 للبروفيسور بيرنارد شلينك، وهو بطريقة غير مباشرة يدعو إلى عدم التسامح مع كل من تورط في معسكرات النازي حتى بعد مرور هذا الزمن، الرسالة طوال الفيلم غير مباشرة ولا تستشفها إلا بمشاعرك، ولكنها حقيقة تبقى ماثلة في ذهنك وإن حاول صناعه إخفاءها أو تجاهلها.

نرى الحب يتحرك في مساحات محظورة، حيث يتوهج بين اللذة وشغف المعرفة، محطماً شبق الرغبة وبراءة الطفولة. هكذا، يبدأ فيلم القارئ من علاقة يستعيدها مايكل (رالف فينس)، وهو في منتصف العمر: حين كان مراهقاً وقع في غرام امرأة أربعينية، غامضة، وشهية، أخذته إلى نشوة الحواس.

مايكل المراهق (ديفيد كروس) جمعته بهانا (كيت وينسلت)، ذات صيف عابر، علاقة جنسية مجنونة، وجاء فعل القراءة مقروناً بشهواته الجامحة، ومكملاً للحب في آن واحد، إذ تشترط عليه هانا أن يقرأ لها أولاً من الروايات التي يدرسها، قبل أن تهبه نفسها.

على الحب المبني على مشاهد جنسية صريحة والقراءة، يتأسس الجزء الأول من الفيلم، ثم تتواصل حياة مايكل بعد اختفاء هانا فجأة من حياته، تدور الأيام ويصبح طالباً في كلية الحقوق، ويأخذ الأستاذ طلابه إلى قصر العدل لحضور محاكمة استثنائية، كونها تتعلق بنساء متهمات بجرائم المؤسسة النازية، من خلال العمل على حراسة أحد معسكرات الإبادة. طيف النازية الذي يلاحق ألمانيا، ويسكن ضميرها الشقي، يعيد إلى مايكل عشيقة مراهقته الضائعة، إذ يجدها مع الأخريات في قفص الاتهام، انعطافة جديدة للفيلم: وهو معاودة ظهور هانا في حياة مايكل من باب (الهولوكوست).

الحب المراهق يضعه وجهاً لوجه أمام سؤال أخلاقي: من هو المسؤول عن المحرقة، يفهم مايكل أن هانا لا تجيد القراءة، لذا كانت تطلب منه أن يقرأ على مسامعها نصوصاً من كلاسيكيات الأدب العالمي، وهذا ما كانت تطلبه من ضحاياها الصغيرات في المعتقل النازي أيضاً، وهنا يتابع دون تدخل منه كيف أن هانا كان بوسعها الدفاع عن نفسها أمام المحكمة، بأن تثبت بأنها لا تعرف القراءة، لكنها تقرر أن تواجه مصيرها لعدم فضح أميتها، وتختار حكم المؤبد، تعيش هانا على إيقاع هذا التواصل مع العالم الخارجي، ويبقى مايكل تلك الصلة الخفية بماضيه الشخصي، وبماضي بلده الثقيل أيضاً.

يمتلك (القارئ) مقومات فيلم بديع، لا بل إن ثلثه الأول يحمل احتفالية خاصة بالقراءة، بوصفها فعلاً مكملاً للحواس، عبر اللقطات واستثمار الضوء والظل، ثم تغيب هذه العناصر مع المنعطف الدرامي الذي يتمثل في افتضاح ماضي هانا، ورحلة نبش الماضي الألماني واستعادة عقدة الذنب، ولعل القراءة تتحول إلى حل سحري يجد فيه مايكل حلاً توفيقياً بين حسه الأخلاقي وعشقه القديم، لكن هل ستحتمل هانا العودة إلى الحرية؟ أم أنها يجب أن تزول من الوجود كي يتطهر الآخرون من آثامهم؟

فيلم القارئ قامت فيه كيت وينسلت بدور حياتها، فنشاهد ممثلة ناضجة في أعلى مستويات الأداء، في دور تستحق فيه بالفعل جائزة أوسكار أحسن ممثلة لعام 2008، الممثل الألماني ديفيد كروس (19 عاماً) قام بدور الشاب المراهق بشكل رائع، ولا أدري كيف استطاع أن يمثل كل تلك المشاهد العارية والصريحة مع كيت وينسلت بهذا الاتقان.

الفيلم أخيراً وقبله الرواية طبعاً، دفاع قسري من الشعب الألماني عن ذنب لم يرتكبوه، بل اقترفه هتلر المهووس بالحروب والمؤامرات وضخمته الدعاية اليهودية لتحوله إلى حائط مبكى جديد، وهو عمل جدير بالمشاهدة.

دبي - أسامة عسل