شكلت الدراما السورية مناخاً خصباً لظهور ثنائيات فنية عديدة، لما عرف عنها من أنها دراما تحكم أعمالها-عموماً- البطولات الجماعية، لا النجم الأوحد، فضلاً عن كونها دراما قامت- غالباً- على هواجس شخصية لأصحابها، تحولت لاحقاً إلى مشاريع جماعية، ومنذ بدايات الدراما السورية في ستينات القرن الماضي وحتى الساعة.

كان من الممكن أن نشهد ولادة الكثير من الثنائيات الفنية، فضلاً عن نشوء بذرة ثنائيات فنية أكثر..إلا أن تضافر عدة عوامل منها غياب النص المحكم الذي يقف خلفه سيناريست قادر على تطويع الحكايات المختلفة لصالح ثنائية فنية بعينها، ساهم إلى حد كبير في عدم استمرارية عدد كبير من تلك الثنائيات، فضلاً عن ما تولته الخلافات الشخصية نفسها من موت ثنائيات أخرى، واختلاف الظروف الإنتاجية ما بين سنوات التأسيس لغاية الثمانينات، وسنوات الانتشار مع ظهور الفضائيات، التي دفعت-بطبيعتها الباحثة عن التنويع الدرامي- منتجي الدراما السورية وصناعها إلى تحديد عمر أي ثنائية فنية بمسلسل واحد أو اثنين وأجزائه المتعددة.

وما بين سبعينات الدراما السورية ودراما نهائيات القرن السورية كانت ولادة الثنائيات الفنية تشهد اختلافاً بنيوياً، ففي السبعينات كان الكركتر أساس ولادة هذه الثنائيات، وبما يتلاءم وطبيعة هذا الكركتر وصفاته النفسية والجسدية كان يتم تطويع النص الدرامي..كما هو الحال في ثنائية (دريد ونهاد) التي انتقلت من الحكاية الطريفة والمسلية في الحارة الدمشقية الشعبية من خلال مسلسلات «حمام الهنا» و«مقالب غوار» و«صح النوم» في التلفزيون، إلى فضاء أوسع من القضايا الاجتماعية والسياسية على المسرح من خلال مسرحيات «ضيعة تشرين» و«غربة»، فإلى عوالم مختلفة ومستويات فكرية وفنية مختلفة في نحو 26 فيلم سينمائي سوري ومصري.

في دراما السنوات العشرين الأخيرة كانت الثنائيات تولد من رحم النص الدرامي، مع تراجع حضور الكركتر الذي يعد ركيزة إلى ثنائي فني..وبالتالي كنا على موعد مع ثنائيات فنية بمدى محدد مسبقاً بحدود المسلسل الذي ظهرت من خلاله، مثل ثنائي الزوجين «جميل - أيمن زيدان، وهناء - نورمان أسعد» الذي ظهر في مسلسل «جميل وهناء».

وانتهى في الجزء الثاني من المسلسل «ألو جميل ..ألو هناء» دون أن يستطيع الاستمرار في عمل جديد، وبالمثل سيكون مصير ثنائي الخادمتين «دنيا - أمل عرفة، وفضة - شكران مرتجى» في مسلسل «دنيا»، وبالمثل أيضاً سيكون من الصعوبة بمكان أن يستمر ثنائي «جودة - باسم ياخور، وأسعد - نضال سيجري، في مسلسل «ضيعة ضايعة» خارج منطق المسلسل ذاته.

ربما نستطيع أن نضيف إلى ثنائيات الدراما السورية الفنية ما يمكن أن نسميه بثنائيات الهواجس الفنية ذاتها، إن صحت التسمية، حيث يلتقي من تتقاطع هواجسهم الفكرية والفنية بخلاف النظر لمرجعية كل منهما سواء كانا ممثلين، أو ممثلا وكتابا، أو ممثلا ومخرجا..وعند هذا النوع من الثنائيات تلتقي الأجيال الفنية المختلفة، مثل ثنائية «دريد لحام - الممثل.

ومحمد الماغوط - الكاتب» التي قدمت تجربة سياسية فنية في التلفزيون «وين الغلط، ووادي المسك» المسرح «كاسك يا وطن» وفي السينما «الحدود، والتقرير» في ثمانينات القرن الماضي، وثنائية «باسم ياخور(الممثل)-أيمن رضا (الممثل)» التي قدمت أكثر من لون درامي كوميدي ومنها الاستعراض..لكن تجربتها الأكثر ثباتاً كانت في شراكة فنية مع المخرج الليث حجو تأسيس سلسلة اللوحات الاجتماعية الناقدة «بقعة الضوء». وثنائية «حاتم علي -المخرج، ووليد سيف - الكاتب» التي أثمرت رباعية الأندلس الدرامية والتغريبة الفلسطينية.

المثير أن كثيرا من الثنائيات الفنية، رغم الحضور الجماهيري الكبير الذي حققته وقت ظهورها، بقيت دون التأثير والقدرة على الرسوخ في ذاكرة الدراما السورية إذا ما قورنت بثنائية «دريد ونهاد» التي ولدت مع بواكير إنتاجات الدراما السورية وزمن الأبيض والأسود وصمدت طوال نحو أربعين عاماً، ظلت خلالها ممتلكة سر تفوقها على كل الثنائيات الفنية التي جاءت مدعمة بانتشار واسع عبر الفضائيات العربية وبتقنيات فنية عالية،.

الأمر الذي يستدعي وفق ما يرى الناقد السينمائي بشار إبراهيم إلى العودة إلى ثنائية «دريد ونهاد» لمعرفة أيّ شرط ولَّدها، وأيّ إضافة ولَّدتها، وكيف يمكن الانطلاق منها، والبناء عليها، دون الادّعاء بتكرارها، بل بالمراكمة عليها، باعتبارها الأساس الذي قامت عليه عشرات التجارب الفنية، كما باعتبارها العتبة التي لم تستطع تجاوزها عشرات التجارب الفنية، التالية، رغم مرور قرابة أربعين سنة على خاتمتها.

في بداية انطلاقة التلفزيون السوري التقى المخرج الشاب خلدون المالح القادم من دراسة أكاديمية إيطالية بأستاذ الكيمياء الشاب دريد لحام، لينجزا معاً بمشاركة الفنان محمود جبر عام 1960 برنامج «الإجازة السعيدة» وأعجب بموهبته التمثيلية العالية الكبيرة، وانضم إليهما الفنان نهاد قلعي..وكانت «الإجازة السعيدة» ..مقدمة شراكة بين نهاد ودريد.

.فقد انتقل الاثنان بعد عام بإدارة المخرج خلدون المالح للعمل في برنامج جديد هو «سهرة دمشق» وفيه ولدت شخصيتا غوار الطوشة وحسني البورظان...ليشكلا معاً ثنائي دريد ونهاد ويعملان معاً انطلاقاً من التلفزيون في برنامج منوعات (11-11)، مقالب غوار، حمام الهنا، صح النوم، ملح سكر، الجزء الثاني من صح النوم..) تعرض بعدها الفنان قلعي لحادث أدى إلى تدهور صحته وابتعاده تماماً عن الوسط الفني، بينما شكل مسلسل «وين الغلط» الذي قدمه دريد لحام بعد مسلسل «صح النوم» بداية انفصال الثنائي دريد ونهاد، وجاء مسلسل «وادي المسك» بعدها ليتخلى الفنان دريد لحام عن شخصية غوار الطوشة التقليدية.

إلا أن استحقاق ثنائية دريد ونهاد الحقيقي كانت في انتمائها العضوي إلى الشارع وقضاياه وهمومه والتصاقه الحميم مع ناس هذا الشارع، على نحو لا يمكن للمرء إلا أن يحاول البحث عن «غوار الطوشة» و«حسني البورظان» بين الناس بوصفهما شخصيتين حقيقيتين، لا شخصيتين افتراضيتين من إنتاج مخيلتي الراحل نهاد قلعي كاتباً وممثلاً ودريد ممثلاً وشريكاً في الإخراج.

فنياً يرى الناقد بشار إبراهيم أن هذه الثنائية جاءت محفوفة بالمغامرة، حتى بدا للحظة أنها غير وارثة لأيّ من التجارب الفنية التي سبقتها. كأنما هي تجربة بلا أب، ولدت من لدن فنانين، التقيا صدفة، في رحاب تلفزيون وليد، معدوم الخبرة العملية، فقير التجربة الفنية، محدود الاتساع، بسيط الإمكانيات..

وبالأمل ستستمر، ما بين البرنامج الأول للتلفزيون، والفشل الأول فيه، والفيلم الأول لسينما القطاع الخاص في سوريا، والنجاح الأول فيه، لتبني الحضور الأول للفن السوري محلياً وعربياً، الذي ما زال يتألق كثيراً على اسمي صاحبيها، ومتابعة أجيال تالية، تلامذة لهما.

دمشق-ماهر منصور: