تعد شخصية وليد عوني، مؤسس فرقة الرقص المسرحي الحديث التابعة لدار الأوبرا المصرية، إحدى الشخصيات التي أثارت الجدل والخلاف حولها على مدى 25 عامًا، نظرًا لما قدمه من أعمال وموضوعات غير تقليدية في عالم المسرح المعاصر، ساعيًا وراء الغموض والأفكار الجريئة والموضوعات الشائكة سواء في الشكل أو المضمون.

التقينا عوني في حوار جريء كشف خلاله العديد من جوانب شخصيته الغامضة، وسر دفاعه عن فن الرقص المسرحي الحديث وتفاصيل كثيرة تضمها السطور التالية.كيف بدأت علاقتك بفن الرقص المسرحي الحديث؟نشأت في ظل أسرة فنية حيث والدي كان رسامًا، لذلك التحقت بالأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في «بروكسل» لدراسة الفن التشكيلي؛ لكن أثناء هذه الفترة تعرفت على أستاذي موريس بيجار، وقد كنت أعشق الرقص الذي يقدمه، وبدأت أتلقى دروس الرقص على يديه ثم توطدت علاقتي به، وكنت أساعده في كتابه حول منهجه في الرقص المسرحي.

مرحلة انتقالية

لماذا اخترت الرقص المسرحي الحديث بالذات، خاصة إنه تخصص أثار الجدل في أوروبا آنذاك؟

على الرغم من أن الرقص المسرحي الحديث كان أيضًا حديث النشأة في أوروبا في هذا الوقت فهو لم يكن معروفًا، فقد أنشئ هذا الرقص على يد «بينا باوش» بألمانيا والذي أسس هذا الفن وكون أول مدرسة للرقص الحديث؛ حتى انتقلت إلى بلجيكا أيضًا مع مصممين كبار تعاونت معهم آنذاك ومع موريس بيجار خاصة، حتى أسس أول فرقة وهي فرقة «التانيت» سنة 1989.

وكان أول ظهور لي بعروض شرقية مستمدة من تاريخنا العربي الشرقي فقدمت عملي «رابعة العدوية» و«عبد الوهاب البياتي»، وأعمال عن حرب لبنان والمذابح فيها، وقد صدم الجمهور في أوروبا بما قدمته فأنا كنت أول عربي يقدم عروضاً شرقية على المسرح الحديث هناك؛ فجاءت أعمالي مختلفة ذات طابع مختلف ولون جديد، وبعد ذلك عملت لمدة 9 سنوات في «بروكسيل» مع موريس بيجار حتى تركته العام 1990، وبدأت من جديد في مصر، وكانت مرحلة انتقالية مختلفة.

لماذا حضرت لمصر ولم تبدأ في بلدك لبنان أولاً؟

في البداية أحب أن أعرفك أنني أكملت دراستي وأعمالي في بلجيكا قبل حضوري إلى مصر، ثم قام فاروق حسني وزير الثقافة المصري باختياري لتأسيس فرقة الرقص المسرحي بمصر، بعد أن تعرف على هذا الفن وما قدمته من عروض في بلجيكا وما حققته من نجاح في هذا المجال، وفي لبنان لم يكن ليفتح أمامي الباب كما حدث في مصر، ولن تكون فرصتي كما في مصر ففي هذا البلد المعطيات التي تساعد الفنان على النجاح.

كيف واجهت التحدي في مصر مع هذا النوع المختلف من الفن؟

لقد تم استقبال هذا الفن برفض شديد من الجمهور، وتمت مهاجمتي فعلاً بقوة عندما قدمت أول عمل لي «ايكاروس»، حيث طلبني الجمهور بالرجوع إلى بلدي. لكنني أعرف أنني كنت أقود ثورة على المسرح، ولابد أن يحدث هذا لأن هذا الرقص عندما ظهر في أوروبا قد رفضوه أيضًا فأي عناصر للتجديد أو الفكر الجريء تدخل في نظام لابد أن تقابل بالرفض.

وما الذي قدمته من أعمال لترد بها على منتقدي هذا الفن؟

قدمت الثلاثية عام 1994، ومن ثم قدمت «الفيلة تختبئ لتموت»، وعرض «عبد الوهاب البياتي» و«ليالي أبو الهول الثلاث»، وأثناء ذلك أردت التعبير عن هذا الفن الجديد كفنان تشكيلي، وكانت خطوة جريئة وقتها لأن أمزج بين الفن التشكيلي والتعبير بالجسد، وهو أصعب عمل قمت به، لكني نجحت في تقديم هذه الأعمال منها تحية حليم 1996، وشادي عبد السلام 96، ومحمود مختار، ومحمود سعيد.. فكانت تسعة أعمال اعتبرها من أعمالي التي حاولت فيها المزج التشكيلي على فراغ المسرح.

غموض وفرملة

لماذا تدور أعمالك في نطاق الجسد فقط سواء ما تقدمه في أعمالك التشكيلية أم الرقص المسرحي وما الرابط بينهما؟

أنا أرسم الرقص والجسد في أعمالي التشكيلية وأرقص بالجسد، وأخرج بتفكيري على الجسد فتلك هي أدواتي، والامتزاج الذي أقوم به حينما أقدم أعمالاً تشكيلية على خشبة المسرح هو الرابط بينهما، وكل عمل أقوم به استخدم فيه كل طاقاتي الفكرية والجسدية معًا حتى أقدم رؤيتي من خلال أعمالي سواء على المسرح أم على القماش.

لماذا تتسم هذه الأعمال بالغموض بالنسبة للجمهور كما ينتقدها شريحة من النقاد أيضًا؟

ربما لأن المعاصر من الرقص المسرحي كما أحاول أن أقدمه يعتبر طفرة للتغيير، كما يحدث في أوروبا، وهذا النوع لا يستطيع أن يدركه الكثيرون، والنقاد في العادة ينتقدون شخص وليد عوني، ولا ينظرون لرؤى أعمالي التي أقدمها، والدليل على ذلك أنه مؤخرًا نالت هذه الأعمال تكريمًا خاصًا عبارة عن درع جامعة حلوان في 9 أبريل الماضي، كما حدث معي في كل الأوسمة والجوائز التي نالتها هذه الأعمال.

ماذا عن القضايا السياسية التي تناولتها بأعمالك؟ وكيف قدمتها في قالب الرقص المسرحي؟

لقد تناولت العديد من القضايا على الساحة العربية والعالمية أيضًا، والتي برزت خلال عروض منها «تحت الأرض»، والذي تناول المجازر في فلسطين والظلم، وقضية لبنان وأحداث 11 سبتمبر وغيرها من القضايا العربية؛ فالفنان في رأيي حتى ينجح عليه أن يعبر عن القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية.

والأصعب إذا قام الفنان بالتعبير باستخدام الجسد والحركة، وهنا أركز على السياسة بشكل خاص فلا مهرب من السياسية نحن نأكل ونشرب ونعيش سياسة؛ فكيف لا نستطيع التعبير عن أنفسنا، وأنا قدمت مختلف القضايا كعروض مثل «بين الغسق والفجر» التي تعبر عن الحرب والسلم فهناك دائمًا حالة سياسية في كل عمل قمت به.

هل تجد أننا نملك الحرية الكافية للتعبير عن مختلف القضايا السياسية؟

نحن مازلنا نحجب ونقمع الكثير من الآراء والحريات، وهناك العديد من القضايا التي لا نستطيع التطرق إليها حتى في لبنان تجد «فرملة» على بعض القضايا، وحينما ذهبت في عدة مهرجانات ودول أوروبا وجدت أن الطرح لبعض الأفكار التي قدمت خلال الرقص المسرحي جاءت مطلقة الحرية فلا قيود أو قمع أو كبت، لكننا نختلف بالطبع ونحن بمجتمعات عربية علينا الالتزام بثقافة مجتمعاتنا الشرقية فيما نقدمه.

الكلاسيكية والتقاليد

هل مازال الرقص قضية مرفوضة في مجتمعاتنا العربية بالرغم مما تقدمه من أعمالك الجريئة؟

عالم الرقص المسرحي دائمًا حوله انقسام بين مؤيد ومعارض، وفي مجتمعاتنا العربية مازالت العديد من الثقافات ترفض كلمة رقص أو راقصة حتى لو كنا نقدم فكرًا حديثا أو مختلفا ومعاصرا وجريئا؛ فالقضية هنا ليست قضية تخصصية إنما هي ثقافة مجتمعات، فالبعض من الجمهور يذهب إلى المسرح ويرغب في مشاهدة الأعمال الكلاسيكية والتقليدية.

ومازالوا يتمسكون بتلك المرحلة ولا يقبلون التغيير؛ وإذا وجد نفس الجمهور أعمالاً مختلفة تجدهم يرفضون تلك العروض أو هذه الأعمال، ولكنني اكتشفت بين كل هؤلاء عناصر تميل إلى التجديد والتطور ففي كل مرحلة تجد طفرة تحول الأحدث.

هل يعني ذلك أنك ستقدم أعمالك في دول الخليج يومًا ما؟ ولماذا لم يتم استقبالك حتى الآن في بعض الدول العربية؟

أنا أعلم أن هناك دولاً مثل اليمن ودول الخليج كالسعودية والكويت والسودان وليبيا يرفضون الرقص المسرحي الحديث وذلك بالرغم من أنهم لم يشاهدوه؛ فهذا الفن مرفوض نتيجة للتقاليد الصارمة والموروثات والتقاليد الثقافية لديهم، وهم لا يتعاملون مع ما قدمته من أعمال..

لكن على الجانب الآخر تجد دولا أخرى مثل سوريا والجزائر ولبنان وتونس تقدم فرقًا استعراضية مهمة منها فرق «إينانا وأرنيينا» بسوريا و«كركيلا» في لبنان، كما لمست تطورًا يحدث في دبي بالإمارات العربية، ما يعني أن هناك دولاً تقوم بخطوات جريئة للعودة لعالم المسرح بمفهومه الجديد فقد شاهدت عرضًا في سلطنة عمان، وهو عرض «شهرزاد»، وكذلك قدمت عروضا رائعة في سوريا وتونس والمغرب وفي الجزائر، فهناك دول عربية أيضًا تتخذ خطوات نحو التجدد.

هل نحن في اتجاه التطور والتجديد على مستوى عالم الرقص المسرحي في أوروبا؟ أم مازالت هناك معوقات؟

نحن كما قلت على خطوات كبيرة من ذلك لكننا مازلنا محدودين، ولسنا كالانفتاح الأوروبي لعالم الرقص المعاصر الحديث، والذي يقدم على مسارح أوروبا، ولا نستطيع تقديمه في مجتمعاتنا، لذلك أنا أحاول تقديم الجديد في كل مرة، ولا أحب أن أقدم العروض التي تتناول فقط مشكلات الكبت التي يعاني منها الناس في بلادنا..

فاليوم تجد الكبت الشخصي والجنسي والنفسي فلا أقبل أن أقدم هذا.. ومع ذلك أجد التغيير في مجتمع الشباب اليوم يتجه نحو السطحية، فأنا حينما أسافر إلى أوروبا أرى الشباب والجيل المعاصر بإيطاليا وفرنسا وأميركا ليسوا كالشباب هنا لا يعانون الكبت مما يحدث في مجتمعاتنا الشرقية، ولا تجدهم يعانون المشكلات كالخوف والمعاناة وتقبل الأمر الواقع بمرارة كما يحدث لدينا..

مواصفات الراقص

هل مازال الجمهور ضمن طبقة المثقفين أم أن المواطن العادي يقبل على الرقص المسرحي؟

الرقص المسرحي فن لا يقدم اليوم فهو فن يقدم بمصر منذ أكثر من 18 عامًا، وأعتقد أن شريحة الجمهور لا تعتمد على طبقة المثقفين، بالعكس فأنا كل يوم أرى إقبالاً على العروض من المواطن العادي لأن الرقص يعتمد على الإحساس وهؤلاء يفهمون ما أقدمه بإحساسهم.

وقد أجد آخرين بين الجمهور من الجامعيين وأساتذة الجامعات والسياسيين والشخصيات العامة ذات الثقافة العالية يقبلون على الكلاسيكي والتقليدي ولا يقبلون على التغيير والتجديد في المسرح الحديث، أو القضايا المعاصرة لذا تجدهم لا يفهمون ما أقدمه، وأقول إن منهج الرقص المعاصر يحتاج لفكر مختلف حتى يتطور ويقبل في مجتمعاتنا على صورته الفنية الحقيقية التي تقدم ثقافة وفكرا نحو التحرر؛ لكنني متفائل أن هذا سوف يحدث يومًا ما.

ما مواصفات الراقص من وجهة نظرك؟ وكيف يتم اختياره؟

لقد وضعت شروطًا ومواصفات خاصة جدًا للراقص المسرحي فأنا لا اعتمد على اللياقة البدنية والمواصفات الجمالية فأنا أكره الجماليات ولا أقدمها على مسرحي دون فكر أو ثقافة أو رؤى فنية؛ لذا فالراقص يجتاز اختبارات معينة خلال اللجنة التي أقوم بالاختيار بين المتقدمين من خلالها، وخلال الاختيار أتعرف إلى تفكير هذا الراقص، وما خلفيته الثقافية وشخصيته وجوانب اهتماماته، لأن الراقص من وجهة نظري يقدم اتجاها ومنهجا.

وليس رقصا دون هدف، فالتكوين الفكري لديه هو أهم من وجهة نظري، وكذلك الأسلوب الذي يتبعه في حياته وعلاقاته بالآخرين، وكيف يذهب هذا التفكير إلى جسده وكيفية التعبير عنه، وهذا هو الأصعب، وأقول إن كل الراقصين والراقصات في فرقتي مصريين وليسوا أجانب كما يعتقد البعض.

وليد عوني.. مصمم الرقص

نال عوني العديد من الجوائز والأوسمة تقديرًا لأعماله التي قدمت في أكثر من دولة منها فرنسا وبلجيكا واليابان ومصر ولبنان والأردن، كما تعاون في أعماله مؤخرًا مع سينمائيين ومخرجين عالميين وترأس منذ 1998 المهرجان الدولي للرقص المسرحي.

القاهرة: دار الإعلام العربية