في تركيز شديد، وملامح تبدو عليها الهدوء والسكينة، تراه منكفئا على قطعة خشب يقلب فيها بحب، ولا يتركها إلا بعد أن يحولها إلى تحفة فنية راقية بزخارفها والنقش الموجود عليها.. ذلك هو الحاج حسني أبوزيد، الذي ورث عن عائلته هواية التشكيل بالخشب، وبالتحديد صناعة المنابر، ويمثل هو الجيل السابع فيها، حيث يعود الفضل إلى هذه العائلة في صناعة منابر مساجد عديدة حول العالم منها: «سان بولو» بالبرازيل، «أم الطبول» بالعراق، «العتيق» بالخرطوم، «عمر مكرم» في القاهرة، «المركز الإسلامي» في روما بإيطاليا، و«المركز الإسلامي» في واشنطن.

صناعة المنابر هواية تجري في دم الحاج حسني منذ أن فتح عينيه على الحياة، ومهنة عريقة ورثها عن عائلته، وعن ذلك يقول: الجد الأكبر للعائلة كان يمتلك جملاً وحصانًا يسافر بهما متطوعًا إلى الأراضي الحجازية في طلعة «المحمل» كل عام، لسقاية الحجاج، حتى توفاه الله في آخر رحلة له، والجد الذي تلاه سافر إلى «الاستانة» مع السلطان سليم الأول لتدريس فن الأرابيسك، ومن المعروف أنه على الرغم من ارتباط الأرابيسك بفن العمارة الإسلامية؛ إلا أنه نشأ قبله بسنوات عديدة، حيث برع فيه المصريون قبل الفتح الإسلامي، فبسبب ندرة الأخشاب لديهم، اضطروا إلى استخدام بقايا الخشب وتجمعيها وتشكيلها، ومن هنا كانت بداية هذا الفن، وأشهر أشكاله الموجودة حاليا تحمل ملامح قبطية. وبملامح يكسوها الفخر يتابع قائلاً: ازدهر هذا الفن مع عهود الإسلام الأولى وبخاصة العصر العباسي الذي يعتبر العصر الذهبي للفنون والعلوم الإسلامية، وكان أكثر ما يميز أعمال الأرابيسك التي اتبعها المسلمون في تلك الفترة خلوها من الرسومات الحية والكائنات البشرية والحيوانات، وغلب عليها الطابع الزخرفي والخطوط ورسومات النباتات، وتنوعت أيضًا استخداماته في البيوت الإسلامية القديمة ليس فقط في تصميم الأثاث، لكن في المشربية والأبواب والمساجد والقصور. وكان أساسها الخشب والصدف والمعادن كالنحاس والفضة والصباغ، وهذا ما تعلمته من جدي الأكبر عن هذا الفن.

عائلة أبوزيد تضم 7 أجيال متعاقبة وكل جيل له إبداعه وتاريخه في التشكيل بالخشب وإنشاء المنابر، وكما يروي الحاج حسني فإن حسن أبوزيد يمثل الجيل الأول في العائلة، ولد بحي السيدة عائشة بالقلعة - وسط القاهرة - وتعلم فن النجارة العربية، وبعد وفاته أصبح ابنه أبوزيد وأخوته من مشاهير المهنة، والكلام للحاج حسني، الذي يضيف: شارك أبوزيد الأول في إتمام سقف مسجد الرفاعي بالقلعة، ثم عمل كمرمم آثار لدى «إلياس ملوك» تاجر العاديات بخان الخليلي، واكتسب منه مهارة ترميم الآثار الخشبية، ثم اشترك في ترميم العديد من الأعمال بمصلحة الآثار في فترة رئاسة «ماكس حرش باشا»، وشارك في تنفيذ نجارة مسجد «قنطرة الدكة»، ونجارة معهد الموسيقى العربية. أنشأ حسن أبوزيد «الثاني» ورشة للنجارة العربية أمام قسم الخليفة بالقلعة العام 1925 - حسبما يقول الحفيد - ونفذ بعض أعمال النجارة الدقيقة في مصر بجوامع «سنان الخازندار» باشا ببولاق، و«الخازندار» و«سارية» الجبل بالقلعة، والتحق كمدرس للنجارة العربية بمدرسة طنطا الصناعية، ثم عمل بعدها بورشة ترسانة السكة الحديد، ونقل ورشته إلى حارة «شق الثعابين» بعابدين، وقام في هذه الفترة بإنجاز العديد من المنابر منها: مسجد «المرسي» أبو العباس بالإسكندرية العام 1940، ومسجد «القصاصين» العام 1943، ومسجد «عبدالرحيم القناوي» بقنا العام 1947، ثم المسجد «العتيق» بالخرطوم العام 1949، وجامع «عمر مكرم» بميدان التحرير 1954، وغيرها من المساجد.

ويواصل الحاج حسني الحديث عن تاريخ العائلة في ممارسة هواية صناعة المنابر والأرابيسك بقوله: ورث أبوزيد حسن أو «أبوزيد الثالث» المولود في 1929 الهواية عن والده، وأتم منبر «الحسين» الذي ألقى الرئيس جمال عبدالناصر من فوقه خطبته الشهيرة في صلاة عيد الفطر، واستغرق في صناعة هذا المنبر 3 سنوات، واستكمل منبر «المركز الإسلامي» بلندن، وقام بترميم قبة «وكالة الغوري» الأثرية بالقاهرة، وأنتجت إحدى الجهات الفنية عنه فيلما تسجيليا بعنوان «عاشق ومعشوق» يحكي عن فنه وتاريخه وانفراد أسرته بأسرار هذا الفن. تولى الحاج حسني ورشة تشكيل الخشب بعد وفاة أبيه العام 1988، حيث تعلم هذه الهواية منذ أن كان عمره 15 عامًا، يقول: فن صناعة المنابر عشق متبادل بين الصانع والخشب.. لافتا الى أن هذه المنابر تعد لوحات فنية نادرة عالية القيمة الأثرية والفنية فهي تعكس مدى الرقي والتطور والحس الذوقي والقدرة على حفر صور وأحداث من ذلك العصر بمهارة فائقة تختزن في أعماق التاريخ؛ ناهيك عن البعد الديني الذي يضاعف تلك الأهمية.

أتقن حسني العمل في القطع الدقيقة على المخرطة الخشبية والتي تستخدم في المشربية والمنبر هاوي صناعة المنابر يؤكد أن ورشة العائلة الكائنة في عطفة «السكرية» بمنطقة الحسين وسط القاهرة أصبحت الآن جزءًا من المنطقة الأثرية المحيطة بها، ويتردد عليها عدد كبير من السائحين من مختلف الجنسيات؛ لالتقاط الصور التذكارية للتحف الفنية التي تولد فيها مع كل لحظة، كما اعتادت مهندسة فرنسية تدعى «لوجانس» أن تشتري كرسيًا عربيًا كلما زارت مصر ما يدل على عراقة وأصالة هذا الفن في أوروبا.

الاسم: الحاج حسني أبوزيد

الهواية: التشكيل على الخشب

الأبز منها: صناعة المنابر

الأشهر: في سان بولو وأم الطبول والعتيق