صحيح أنها تقاعدت، وتأثيرات السهر والحياة الصاخبة التي طبعت حياتها، تبدو واضحة على ملامحها على الرغم من أنها في عز الشباب ولم تتعد الثلاثينات من العمر، لكن ما لا ينكره أحد أن العارضة البريطانية، كيت موس، لا تزال مؤثرة على ساحة الموضة، وجاذبة عندما يتعلق الأمر بالباراتزي الذين يعرفون أن صورها تبيع المجلات، والدليل أنها خلال عروض باريس الأخيرة، وعندما دخلت عرض أزياء دار «شانيل»، سرقت الأضواء من باقي النجمات، بدءا من زميلتها السابقة كلوديا شيفر إلى المغنية الشابة ليلي آلن والنجمة الصاعدة فريدا بينتو.
نفس الأمر تكرر في حفل متحف المتروبوليتان السنوي الأخير، حيث نجحت مرة أخرى في جذب الأضواء بزيها الذهبي الذي نسقته بعمامة رائعة، وكانت منافستها الوحيدة في سرقة الأنظار وانتزاع الإعجاب هي الخمسينية مادونا، وقد يكون سبب الجذب هي العمامة التي تبدو على شكل «باندانا» لفت بها شعرها إلى أعلى. وهو ما يؤكد أن إكسسوارات الشعر أصبحت مثيرة ومهمة على حد سواء، مثلها مثل أية إكسسوارات أخرى، لا سيما أنها أكثر وضوحا ودرامية. ما تعرفه أية متابعة للموضة أن العمامة ظهرت منذ مواسم عدة، لكنها لم تنجح في حجز مكانة قوية لها على ساحة الموضة، وهو الأمر الذي قد يتغير هذا الموسم، لأن كايت موس أعطتنا فكرة عن كيفية ارتدائها بأناقة. ومن جانب آخر، لا يمكن للمصمم أن يعيش بمنأى عن الأحداث العالمية. هذا ما قاله كارل لاغرفيلد، مصمم دار «شانيل»، قبل سنتين، عندما سئل عن سبب قتامة الألوان والتصاميم الرزينة التي سادت حينها، وما تؤكده الأيام. فالمصمم يستلهم أفكاره من كل ما يحيط به، سواء كانت الطبيعة بألوانها، أو الثقافات البعيدة بدفئها وغموضها، أو الأحداث السياسية والاجتماعية المؤثرة.
لذا نرى مصممي الأزياء العالميين الكبار تارة يسافرون بجمهورهم إلى حضارة الأزتيك الغابرة في المكسيك، وطوراً إلى سواحل سانت تروبيز في الريفييرا الفرنسية، أو إلى عهد كليوباترا ومصر القديمة، أو إلى ثورة «تشي» غيفارا في أدغال أميركا الجنوبية، أو الجدل حول النقاب وهلم جر، هكذا لنا في كل موسم رحلة من نوع خاص. أخيرا، اتجه المصممون إلى أفريقيا، مخترقين القارة السمراء من الجنوب إلى الشمال، وانطلاقاً منها باتجاه الهند مروراً بالشرق الأوسط ، وهذه المرة يبدو اهتمامهم منصبا على أغطية الرأس بكل أشكالها، معظمها موجه للمرأة، وكأنهم يطرحون لها بدائل عن «الطرحة» التقليدية، التي يهدف منها إخفاء الشعر. وربما هذا ما قصده كارل لاغرفيلد، بأن المصمم يعيش أحداث عصره ويترجمها بطريقته.
أنطونيو ماراس مصمم دار كنزو استقى تصاميمه للعمامة النسائية، من العمامة الأفريقية بألوانها الصارخة وبعقدتها الكبيرة من الأمام. بينما قدمتها «ميوتشيا برادا» أيضا بأقمشة من الساتان اللماع وبألوان صارخة جاءت مزيجاً بين بيئة أفريقيا وعصر هوليوود الذهبي، كما جاء بعضها مزيناً ببروشات. تقول برادا: حضارات عديدة عرفت العمامة، حيث كانت تلبس من قبل الرجل والمرأة على حد سواء، وكانت ترمز دائماً للجمال والقوة حتى قبل أن تتحول إلى رمز للأناقة «الهوليوودية». وتضيف : اليوم تعد العمامة أفضل ما يعكس أحداث العصر بدقة. ميوتشا برادا محقة في قولها، فقد عرفت أوروبا أنواعا مختلفة من العمائم خلال القرون الوسطى وعصر النهضة، وكان يعتمرها الرجال، وأحياناً النساء في بعض الدول، كما يظهر من اللوحات التي رسمها كبار الرسامين الكلاسيكيين، بالذات اعتباراً من القرن الميلادي السابع عشر. ووفق المراجع، صارت أنواع من العمائم أو لفات الرأس مرغوبة عند النساء الأوروبيات في أواخر القرنين الـ 18 والـ 19، وظهرت كلمة «توربان» لأول مرة لوصف زي الرأس النسائي عام 1776م.
وبعد فترة تراجع عادت هذه العمائم النسائية إلى الرواج في أوروبا في مطلع القرن الـ 20، وبخاصة في بريطانيا الفيكتورية، ثم خلال عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن ذاته في فرنسا.
فبعدما كانت جزءاً من حضارة الغير وثقافته، أصبحت اليوم جزءاً من هويته الدينية، مما يجعل التعامل معها بترجمة حرفية، أمراً حساساً في ظل الظروف الحالية، وهذا ما يجعل التعامل مع العمامة أسهل بكثير من التعامل مع الطرحة وغيرها، خصوصاً أنها ليست حالة جديدة، بل عرفتها هوليوود والمجتمع المخملي منذ منتصف القرن الماضي.
إلى جانب انطونيو ماراس، مصمم دار «كنزو»، وميوتشا برادا، وقع المصمم رالف لوران، هو الآخر، تحت سحر العمامة، لكنه اختار أن يبتعد عن الجدل، فترجمها بلغة هندية بحتة.
على يديه جاءت بشكل يغطي كل الشعر وجوانب الوجه يزينها بروش في الوسط، لكن يمكن أن تستعيض عنه أية سيدة ثرية بجوهرة نفيسة.
في المقابل تعامل معها آخرون بتصاميم أكثر أنوثة، بحيث تظهر كل الوجه وخصلات قليلة من الشعر، كما فعلت دار «لويفي»، التي حرصت على تقديمها بطريقة تجمع بين البساطة والعملية، وبشكل اقرب إلى العمامة العربية من حيث استعمال إيشارب مستطيل يلف جيدا حول الرأس.
لكن من الخطأ القول أن موسم 2009 هو الموسم الذي سيتألق فيه هذا الإكسسوار، إذ عرف أوجه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي على يد نجمات هوليوود من أمثال غريس كيلي وأودري هيبورن.
صحيح أن العمامة النسائية إكسسوار ارتبط في الماضي بالمرأة الخمسينية، إلا أن المصممين اليوم يخاطبون به شريحة الشابات في الموسم المقبل، بإضفائهم لمسة باريسية عليه من حيث نوعية القماش وقوة الألوان وحتى بطريقة تصميمه، لا سيما إذا تم تنسيقه مع أزياء بسيطة.
ومن جانب آخر نجد الإنسان غطّى رأسه اتقاء لعوامل الطبيعة القاسية منذ فجر التاريخ، واتخذ غطاء الرأس عند الجنسين أشكالاً متنوعة وفق واقع البيئة، وتطور العادات والتقاليد. ولعل «العمامة» ـ أو «العِمّة» ـ من أشهر أغطية الرأس المعروفة في العالم، منذ اكتشف الإنسان القماش واستخدمه في ملبسه.
لكن من حيث المنشأ الجغرافي، ترجع غالبية المراجع التاريخية الأصل المشرقي لما يُعرف اليوم عند العرب والمسلمين بـ «العمامة». فحتى في اللغة الإنجليزية التي ترجمت إليها كلمة عمامة إلى «توربان»، فإن الكلمة المترجمة ذاتها (أي «توربان») مقتبسة من كلمة «دلبنت» الفارسية التي حرّفت منها كلمة «تولبنت» التركية، ومن تركيا انتقلت إلى أوروبا والغرب فحرّفت مجدداً إلى «توربان».
وكانت إحدى أقدم الإشارات إلى أغطية الرأس قد ظهرت في كتابات الفيدا الهندية القديمة التي أطلقت عليها مسمى (أوسنيسا)،
وفي ما بعد اعتمد قدماء الفرس عادة لف القماش على «طنطور» كبير مخروطي الشكل، كما اعتمدت في العصر الإسلامي عادة اللف على الطربوش أو القلنسوة في مناطق عدة من مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووسط آسيا.
واختلفت أشكال اللفات والعمائم من منطقة إلى منطقة تبعاً لاختلاف الظروف البيئية، لا سيما المناخية منها. ويقال إن العرب أطلقوا عليها «العمامة» (بكسر العين)، عليها، لأنها تعمّ جميع الرأس بالتغطية.
وفي العالم الإسلامي المترامي الأطراف، بما فيه من أقاليم صحراوية وحارة المناخ أو جبلية باردة، كان لا بد أن يصبح استخدام أغطية الرأس، أشكالها ألوانها، مسألة حيوية.
إضاءة
على صعيد لون العمامة، شاعت في مختلف أنحاء العالم الإسلامي العمائم البيضاء للعامة وشيوخ الدين، بينما أخذت العمائم السوداء والخضراء رمزا دينيا بحتا، مع العلم أن العمائم السوداء شائعة في مناطق أخرى، مثل أفغانستان.
كما أن ثمة عمائم ذات لفة خاصة مألوفة في أماكن بذاتها، كالعمامة المزركشة في سلطنة عُمان، والعمائم المختلفة الألوان التي تستحيل في لفتها إلى لثام، كحال عمائم الطوارق في الصحراء الكبرى بشمال أفريقيا.
دبى ـ رشا عبد المنعم



