الهوس بحب الفنانين ليس بالظاهرة الجديدة، فهو أمر معروف على المستوى العالمي. لكن مع سهولة التواصل في عصر الاتصالات والإنترنت تعود الظاهرة بشكل أشرس وأعمق، خاصة بعد محاولات بعض المعجبين التعرض لفنانين وفنانات بهدف ابتزازهم وإرهابهم، لدرجة وصلت إلى التهديد بالقتل، الأمر الذي أدى إلى لجوء الفنانات للاستعانة بـ «البودي جارد» لحمايتهم من هذه النوعية من المعجبين، وتغيير رقم الهاتف من وقت إلى آخر، إضافة إلى العديد من البلاغات التي تمتلئ بها دفاتر الشرطة من فنانين ضد معجبين مهووسين.

لذلك كان لابد من البحث في هذه الظاهرة من خلال رجال الدين والقانون وعلماء علم النفس والاجتماع والنقاد في مجال الفن، لمعرفة مدى تأثيرها السلبي وانعكاساتها على الفنانين على مدار السنوات الماضية، خاصة في ظل التطور التقني الذي يسهل على هؤلاء معرفة مكان الفنان في عمله أو سكنه والوصول إليه. الفنانة باسكال مشعلاني وعلاقتها مع المصري حمدي محفوظ الذي يعمل محامٍيا وتحول فجأة إلى كاتب أغان، تعد أحدث حلقات مسلسل هوس التعلق بالنجوم، فوفق ما تم مداولته في وسائل الإعلام وأكدته تحريات رجال المباحث، ظل هذا الشاب يتردد على باسكال في كل مكان، ويسافر وراءها، مما عرضها للكثير من المشاكل بسبب مطارداته لها إلى أن وصل الأمر إلى سجنه في لبنان أكثر من مرة.

والغريب أن هذا الرجل كان يؤكد أن باسكال تحبه وسوف تتزوجه، لذلك لم يتردد في تهديد مدير فرقتها الفنية بالسجن كونه يرى فيه عائقًا أمام إتمام ززواجه من المطربة اللبنانية، ورغم تهديدات باسكال للمعجب بملاحقته قضائياً، إلا أنه حضر مرات عدة إلى مكتبها وطلب يدها من والدتها التي رفضت بشدة، مما دفعه إلى إحضار حقيبة ملابسه والتوجه إلى مكتبها، وإعلانه أنه لن يغادر المكتب قبل أن تواجهه باسكال، مما دفعها إلى الاستعانة بالشرطة لإخراجه من المكتب وترحيله من لبنان، لكن المعجب لم يردعه ذلك، بل شن حملة على الإنترنت ضد باسكال لتشويه صورتها واتهامها بإقامة علاقات غرامية.

حب امتلاك... لم تنته حلقات المسلسل بعد، بل عانت المطربة لطيفة هي الأخرى مع واحدة من المعجبات التي تعيش صراعاً بين حبها للفنانة، وحقدها عليها بسبب إحالتها إلى القضاء بدعوى مضايقتها وتهديدها، فهي متأكدة من أن التهديد الذي أطلقته في حق الفنانة لا يعدو كونه تعبيراً عن الحب، والرغبة في التملك والاحتفاظ بالفنانة بعيداً عن الأضواء. صفاء التي استدعيت إلى النيابة للتحقيق معها، تم إحالتها إلى طبيب نفسي للكشف عن حالتها بطلب من محامي لطيفة، على أن تعرض على المحكمة بعد ذلك، وقبيل صدور القرار أرسلت صفاء رسالة إلى إحدى المجلات تظلمت فيها من لطيفة، وتساءلت هل لطيفة معها أم ضدها؟

وقالت في رسالتها: «إن لطيفة طلبت عرضي على طبيب نفسي وهذا لمصلحتي، لكنها في الوقت نفسه تمسكت بأقوالها ورفضت الصلح، مما يعني أنها غضبت من تصرفاتي، أشعر أنني خسرتها إلى الأبد، وهذا الأمر يفقدني أعصابي، لأن لطيفة هي الهواء الذي أتنفسه، وهي كل ما أملك في هذه الحياة وإذا خسرتها فلن أستطيع مواصلة حياتي، بل سأقتلها».

حالة مرضية

ولأنها مطربة تملك مواصفات عديدة للجمال، لم يكن غريبًا أن يتحول الإعجاب بها إلى حالة مرضية. فها هو «ماريو»، شاب لبناني يدفع عشرات الآلاف من الدولارات لتغيير شكله من خلال إجراء بعض العمليات ليشبه نانسي نظرًا لهوسه الشديد بجمالها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعلنت بعض الصحف العربية عن إلقاء القبض على شاب آخر يدعى هشام، حاول التشبه بنانسي عجرم، ووصل به الهوس إلى الرقص على أغانيها في الطريق العام، مما أدى إلى القبض عليه وإحالته إلى القضاء.

ثم ظهر شخص آخر في القاهرة يحاول متابعتها في كل مكان، ومطاردتها ومضايقتها ويتلفظ ببعض الكلمات غير المفهومة، وقد وصل الأمر به أن حاول اقتحام غرفتها في أحد الفنادق، وتم إلقاء القبض عليه.

أسلوب إرهابي

الفنانة المصرية وفاء عامر، واللبنانية دومينيك كانتا أيضا ضمن قائمة الهوس بالفنانات، فعلى حد تعبير دومينيك، فقد تلقت تهديدًا من شخص مهووس يطاردها، ويريد قتلها كاشفة النقاب عن تعرضها لمضايقات واسعة منذ أكثر من خمس سنوات، كما روت في إحدى مقابلاتها أنها قبل فترة فوجئت برجل مهووس بحبها قام باعتراض طريقها مرات عدة، ولجأ إلى تهديدها بأنه إذا لم تقبل بإقامة علاقة معه سيعمل على تشويه جمالها.

أما وفاء عامر فعانت كثيراً من مطاردة شاب عاطل لها أثناء ذهابها وإيابها لمنزلها للتعرف إليها، بحجة أنه معجب بها وعندما تجاوز حدوده وطرق باب منزلها ليلاً، وخشيت أن تفتح الباب واستغاثت بالبواب وحاول الشاب الفرار عبر السلم، لكن البواب لحق به فانهال الشاب على البواب بالضرب المبرح.

دعاية دموية

لم يتوقف حد الهوس عند الفنانات فقط بل وصل إلى الفنانين الرجال، فالفنان راغب علامة لا يزال يتذكر حتى الآن تلك الرصاصة الطائشة التي أخطأته فأصابت قدمه، بينما كان المراد منها القضاء عليه. وعندما ألقى القبض على الجاني اعترف أنه مهووس بالفنان، وأنه يريد الاحتفاظ به ولو ميتاً.

زواج ومطاردة

على نفس الوتيرة فوجئ الفنان محمد هنيدي بأنه مطالب بدفع تعويض مليون جنيه في قضية في ظاهرها السب والقذف، ولكن في طياتها اتهامات لهنيدي بالضغط على فتاة تدعى نسرين السعداوي ليتزوج منها عرفيا فرفضت، فما كان رد فعل هنيدي سوى طردها من مسرحية «طرائيعو»، واتهم الفتاة بأنها مريضة نفسيا، ولم يكن يعلم هنيدي أن هذا الاتهام يضعه تحت طائلة القانون، حيث طالبته الفتاة بتعويض مليون جنيه عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بها نتيجة التصريحات المغلوطة والمكذوبة - على حد قولها - من جانب هنيدي، وانتهت القضية بالحكم على هنيدى بخمسة آلاف جنيه فقط كتعويض نتيجة لما صرح به في الصحف.

أحضان وقبلات

وما حدث قبل ثلاثة أعوام، في إحدى حفلات ليالي التليفزيون تحديدا، كان كفيلاً بأن تقوم الدنيا ولا تقعد، حينما فوجئنا جميعاً أثناء جلوسنا أمام التليفزيون لمشاهدة إحدى حفلات كاظم الساهر بفتاة في العقد الثالث من عمرها تتسلل من خلف أنظار رجال الأمن حتى وصلت إلى خشبة المسرح، وفي غفلة من الجميع صعدت ليفاجأ بها كاظم الساهر أمامه وجهاً لوجه تحتضنه بقوة وتقبله أمام الجميع وعلى الهواء مباشرة.

كذلك لم يسلم الفنان حسين فهمي هو الآخر من مطاردة إحدى النساء، التي ظلت تطارده طيلة شهور عديدة، وكانت تحتفظ بكل أفلامه على شرائط فيديو وتشاهدها بشغف بالغ ليل نهار، رغم أنها متزوجة، ولدرجة وصل فيها الأمر إلى قسم الشرطة عقب مشادة حامية مع زوجها للسبب نفسه، ادعت بعدها أمام زوجها أنها مرتبطة بحسين فهمي، بل أكدت في حيثيات أقوالها أنها تزوجته بالفعل، وبالتحقيق في الأمر تبين كذب المرأة وأخذ تعهد على مجنونة حسين فهمي بعدم التعرض له ثانية.

بحثًا عن الشهرة

بسؤال الناقدة علا الشافعي عن عودة ظاهرة الهوس بالفنانات بهذا الشكل المبالغ فيه، أكدت أن هناك فنانين كثيرين تعرضوا لهذه الظاهرة، ولكن في كثير من الأحيان يكون هذا السلوك بدافع الوصول إلى الشهرة، حتى لو وصل الأمر إلى أقسام البوليس، فهناك فعلا أشخاص يذهبون إلى المجلات والصحف للتشهير ببعض الفنانين بحثا عن الشهرة، ويدلون بمعلومات عن قيام نجم أو نجمة معينة بحبسهم أو ضربهم عن طريق بودي جارد، وفي كثير من الحالات تكون المعلومة كاذبة.

في المقابل، يحاول البعض من الفنانين أن يتخذ من مثل هذا المعجب وسيلة دعائية له، بل قد يختلق قصصاً لا أساس لها من الصحة لتسليط الأضواء عليه، وفي الحالتين تظل قضية المعجبين المهووسين من القضايا التي تؤرق الفنانين وتدفعهم إلى إقامة سدود عازلة بينهم وبين معجبيهم تقيهم شر الجنون عندما يتحول الإعجاب إلى هوس.

تخيلات مرضية

الدكتور أحمد عبد اللطيف أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، يرجع تزايد قضايا الهوس بالفنانين إلى حالة الفراغ التي تسيطر على الشباب، لكنه يفسر هذه الحالة بقوله: الهوس يعنى أن تتكثف وتتصاعد مشاعر شخص ما تجاه فنان معين، حتى تصبح حالة مرضية تسيطر في الغالب على صاحبها، وتدفعه نحو سلوكيات غير راشدة، موضحًا أن هذه حالة مرضية خطيرة للغاية، يتخيل معها الشخص أشياء تسيطر على الجهاز العقلي له، كأنه يتخيل أنه على علاقة بهذه الفنانة أو أنه زوجها ويتطور الأمر أحيانا إلى إيذاء نفسه أو الفنانة المهووس بها حال عدم مجاراتها له.

أسباب ذلك، والكلام لأستاذ علم النفس، تعود إلى عدم الرقابة على الشخص نفسه من قبل الأهل، بالإضافة إلى عامل البيئة التي ولد فيها، فقد يفتقد هذا الشخص الحب والحنان من قبل الأهل، لذلك عندما يرى مشهدا لفنانة على شاشة التليفزيون مع ممثل آخر، فقد يتخيل أنه من الممكن أن تتجاوب معه هذه الفنانة إذا تعرف عليها، وأيضا من الممكن أن يتزوج من هذه البطلة، ويبدأ يعد للقائها أو الارتباط بها، ومحاولة مقابلتها مما يتحول الأمر إلى مطاردة في كل مكان، وإذا فشل في تحقيق ذلك الأمر من الممكن أن يصيب الشخص الذي يطارده وقد يصل الأمر إلى حد القتل.

ويؤكد أستاذ علم النفس أن الإعلام مسئول بشكل كبير عن تعلق الشباب والفتيات بالنجوم، حيث يبرز أهل الفن ويجعلهم قدوة للشباب من خلال الأعمال التليفزيونية والسينما، وبالتالي يحلم الشاب بأن تصبح هذه الممثلة هي شريكة حياته، أو العكس مع الفتيات.

ولأن معظم حالات الهوس تحدث تحت غطاء الحب والإعجاب لبعض المشاهير، كان لابد من معرفة الرأي القانوني في ذلك، وهو ما يوضحه المحامي سيد مخلوف الذي يؤكد، أن الدستور في أي مكان في العالم يجرم أي اعتداء على الحرية الشخصية، أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة.

القاهرة: ـ دار الإعلام العربية