يتمتع السوري وسيم القطب بموهبة نادرة، مكنته من الجمع بين مهنة الطب والموسيقى، ومن ثم توظيف الأخيرة لصالح الطب النفسي والجسدي، في تجربة نادرة قلما نجدها في عالمنا العربي. «الحواس الخمس» التقت القطب في عيادته بدمشق، وحاورته حول أعماله الجديدة على صعيدي الموسيقى والطب.

* كيف كانت بدايتك الموسيقية؟ ـ بدأت العزف على آلة البيانو وعمري 6 سنوات، حيث التحقت بالمعهد العربي للموسيقى بإدارة الموسيقار صلحي الوادي - سمي المعهد باسمه بعد وفاته، وتابعت الدراسة في المعهد إلى أن نلت شهادة البكالوريا، حيث سجلت في كلية الطب البشري، لأني أحب مهنة الطب كثيراً، وفي نفس الوقت سجلت في المعهد العالي للموسيقى في دمشق، وبذلك تابعت دراسة الطب والموسيقى بشكل محترف في ذات الوقت، وهذا اختصر وقتاً كبيراً بالنسبة لي. * ألم تجد صعوبة في الجمع بين الطب والموسيقى في آن واحد؟ ـ لا شك أنني واجهت صعوبة كبيرة في البداية، لكنني تعلمت فيما بعد أن أكثّف التمارين وأنظم وقتي، من خلال تقنية الاختزال وتنظيم الأفكار التي ابتكرتها، وبعد التخرج عملت كطبيب مساعد في مجال زراعة الكلى بمستشفى الشامي بدمشق، وخلال ذلك كنت أقوم بالتدريس في المعهد العالي للموسيقي، فضلاً عن مهمتي كمساعد لكبير الخبراء الموسيقيين في المعهد أستاذي فلاديمير زيرتسكي.

* لكن كيف انتقلت لاحقاً إلى التخصص بالعلاج الموسيقي؟ ـ حصلت فيما بعد على منحة من مؤسسة كريم رضا سعيد الخيرية، ومركزها الأساسي في بريطانيا، لصالح الجامعة الملكية البريطانية للموسيقى، حصلت خلالها على شهادة بالعزف على آلة البيانو بدرجة جيد جداً، كما حصلت على شهادة في طرق التدريس الحديثة للموسيقى، وأثناء وجودي هناك درست في مركز «نوردون بروبينز»، للعلاج بالموسيقى، وعدت إلى دمشق وعملت كطبيب معالج بالموسيقى لأطفال التوحد في منظمة آمال بدمشق، وأقوم الآن بإدارة قسم العلاج بالموسيقى في عيادة الشام بدمشق.

ماذا يعني مصطلح العلاج بالموسيقى؟

قبل كل شيء أريد أن أوضح أن العلاج بالموسيقى لا يعتمد فقط على الاستماع إلى الموسيقى، ولكنه استخدام للموسيقى كوسيلة لتحقيق أهداف تربوية أو تطوير مهارات لدى المرضى، أنا أعمل حالياً على موضوع تحسين مهارات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، كأطفال التوحد أو المنغوليين أو الذين لديهم تلعثم أو تأخر في النطق.

كيف تتم عملية العلاج؟

خلال جلسات العلاج بالموسيقى نستخدم الأدوات الموسيقية لأهداف معينة، مثلاً نقوم بتعليم الأطفال العد والألوان والفرق بين الاتجاهات الأربعة، كما نزيد التواصل البصري معهم والمشاركة الاجتماعية، لأنهم يملكون صعوبة في التواصل الاجتماعي وخاصة أطفال التوحد، وأيضاً نساعدهم على تقوية عضلات الحنجرة من خلال استخدام الأدوات الموسيقية النفخية.

هل يقتصر العلاج بالموسيقى على الحالات التي ذكرتها فقط؟

قطعاً لا، هناك قسم للاستماع يفيد في معالجة الاكتئاب، كما يخفف التوتر لدى مرضى الزهايمر والباركنسون، ويخفف أيضاً الضغط الجسدي والنفسي لدى عدد من المرضى، كما يخفف كمية الدواء المستخدمة لعلاج بعض الأمراض وخاصة مرض السكري.

هل يعني ذلك أن العلاج بالموسيقى ليس بديلاً عن العلاج بالأدوية؟

تماماً، العلاج بالموسيقى هو عامل مساعد أو مكمل للعلاج الدوائي، وليس بديلاً عنه، كما أسلفت نحن نساعد المرضى في التخفيف من الضغط والتوتر لديهم، وبالتالي يصبح لديهم قابلية أكثر للشفاء.

هل يتقاطع العلاج بالموسيقى مع العلاج الفيزيائي؟

نعم هو يتزامن معه، وخاصة مع مرضى الشلل الدماغي، حيث نساعدهم على تقوية عضلاتهم من خلال الآلات الموسيقية الإيقاعية والنفخية، وأيضاً أطفال التوحد الذين لديهم ضعف في عضلات اليدين، حيث نساعدهم من خلال آلة البيانو على تقوية أصابعهم، وتقوية الأصابع تساعدهم على مسك القلم ليقوموا بالكتابة، أي أنه عملية تنسيق نفسي حركي، وأود التأكيد هنا أن العلاج بالموسيقى قد يحقق نتائج إيجابية وقد لا يفعل، لكن نسبة الفائدة عند أطفال التوحد بلغت حوالي 80 بالمئة.

متى بدأ العلاج بالموسيقى؟ وما مدى انتشاره في العالم العربي والعالم؟

عُرف العلاج بالموسيقى خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانوا يضعوا الجنود المرضى بجانب بحيرة ماء ليستمعوا لخرير المياه، وكان ذلك يحقق لهم راحة نفسية.

وبالنسبة لسوريا، أنا أول من أدخل هذا العلاج إليها منذ سنتين، وحتى الآن لا يوجد سوى المركز الذي أديره، وأود التأكيد أني لم أبتكر شيئاً جديداً لأنه علم منتشر بشكل كبير في العالم، وأنا قمت بإدخاله فقط إلى سوريا، وأحاول الآن الترويج له عبر المقابلات الصحافية وبعض المحاضرات.

وهناك فقط ثلاثة مراكز للعلاج بالموسيقى في العالم العربي «مصر والأردن والإمارات»، ولكن للأسف ليس لدي تواصل معها، أما عالمياً فهناك منظمة دولية للمعالجين الموسيقيين في أميركا وكندا وبريطانيا، تضم أكثر من 5 آلاف طبيب معالج، وهناك أبحاث كثيرة تصدر عنها.

على صعيد الموسيقى، ما هي أهم المحطات الفنية في حياتك؟

شاركت خلال مسيرتي الفنية ببعض ورشات العمل الموسيقية، كما شاركت ببعض المسابقات والمؤتمرات الدولية، وعزفت مع أوركسترات دولية من بينها أوركسترا براندنبورغ الألمانية بقيادة سيباستيان فايغله، والأوركسترا الوطنية السورية بقيادة صلحي الوادي وميساك باغبادوريان، والأوركسترا المصرية بقيادة أحمد الصعيدي.

وخلال مسيرتي نلت عدداً من الجوائز منها الجائزة الخاصة بمسابقة إيبلا العالمية، وجائزة الإنجازات الموسيقية في بريطانيا، وأقوم الآن بتسجيل موسيقي لمؤلفات الموسيقار السوري وليد حجار سيصدر عن دار الأوبرا السورية، وسيكون هناك أيضاً إصدار خاص لمؤلفاتي الموسيقية الخاصة بالتعاون مع دار الأوبرا أيضاً.

هل تعتمد على طريقة خاصة بالتأليف الموسيقي؟

دعني أخبرك أمراً، جميع مؤلفاتي ليست مدونة، لأنها تعتمد على الارتجال المبني على صورة في خيالي والتي أعكسها أحياناً من خلال اسم المقطوعة.

الموسيقى التي أؤلفها هي موسيقى قريبة لأذن المستمع تعتمد على المدرسة الكلاسيكية في التأليف، لكن تحفز خيال المستمع، أحاول دائماً رسم لوحة خلال المقطوعة التي أعزفها، وأترك للجمهور مهمة تخيل اللوحة التي أرسمها، وفي الأمسية التي قدمتها مؤخراً في دار الأوبرا بدمشق، عزفت مقطوعة موسيقية بلا عنوان وطلبت من الجمهور وضع عنوان لها، والهدف كان تحفيز خيال الجمهور، وجاءت الإجابات مختلفة وفقاً لفهم كل شخص سمع المقطوعة.

ما هي طبيعة العلاقة التي كانت تربطك بالموسيقار صلحي الوادي؟

صلحي الوادي يختلف كثيراً عن جميع الموسيقيين الذين عرفتهم، كان لديه مشروع موسيقي كبير، أسس المعهد العربي للموسيقى ويعود له الفضل الأكبر بتأسيس المعهد العالي للموسيقى في سوريا، كان لديه دائماً كاميرا فيديو يقوم بتصوير الطلاب خلال عزفهم ويقوم بمقارنة مستواهم كل عام، وكانت تربطه علاقة وثيقة بكل طلابه.

كانت لديه فكرة أن الإنسان لا يستطيع الجمع بين مهنتين وخاصة الطب والموسيقى، هذا سبب لي مشكلات معه في البداية، ولكني أثبت له العكس، واقتنع بالأمر خاصة بعد نتائجي الجيدة في اختبارات الموسيقى وتقدمي في كلية الطب، وهذا الشيء دفعه ليعرض علي العزف معه لأول مرة عام 2000 في كونشيرتو «ليست» الثاني في الأوركسترا السيمفونية الوطنية السورية، وأعطاني واحدة من أصعب كونشيرتوهات البيانو التي تعزفها الفرقة فكان تحدياً لي وله، وعزفنا معاً في عدة أماكن في سوريا والعراق.

لماذا توقفت عن العزف، لمدة، بعد مرضه؟

جاءتني فرصة للعزف مع أوركسترا براندنبرغ فعزفت معهم كونشيرتو بيتهوفن الثالث في سوريا والأردن وألمانيا، بعدها عرض علي صلحي الوادي أن أشارك مع الأوركسترا السورية في نفس العمل، وللأسف كان هذا آخر عمل أعزفه معه، كما كان آخر عمل له، كنا على المسرح وخلال الحركة الثانية من الكونشيرتو أصيب صلحي الوادي بجلطة دماغية وسقط على المسرح، وفي هذه اللحظة تحولت من موسيقي لطبيب، وحاولت أن أؤدي واجبي كطبيب وثم أخذناه للمستشفى، وهذا سبب لي صدمة فتوقفت عن العزف لعدة أشهر، لكني عزفت لاحقاً في حفل تأبينه في دار الأوبرا.

من لقّبك بـ «ليست الدمشقي» ولماذا؟

أطلق علي هذا اللقب الناقد والمؤرخ الموسيقي السوري صميم الشريف، بعد أن شاهد عزفي في أكثر من حفل موسيقى ومن بينها كونشيرتو «ليست» مع الأوركسترا الوطنية السورية، وأخبرني بعد حفل «ليست» أن ضيفه من السفارة الهنغارية اعتقد أني موسيقي هنغاري، لأني أعزف بطريقة مشابهة للموسيقار الهنغاري «ليست».

دمشق - حسن سلمان