طفلة صغيرة كانت؛ وتحلم بأن تبدع بتخصص يأتي على شكل هندسة معمارية وتصميم يليق بالناظرين.. ومنذ ذلك الطموح، أرادت لنفسها موقعاً يساند ميلها المهني والإبداعي، وهي التي ظلت توصف عائلياً على أنها الفتاة التي لا تقبل العمل المنقوص، و تصر دائماً على أدق التفاصيل حتى في علاقتها مع عائلتها في البيت، أما التحدي فظل يشكل بالنسبة لها حالة دائمة في كافة المهمات التي تأخذها على عاتقها.
أكملت دراسة الثانوية، وطموحها الهندسي المختلف لا يزال مستقراً لديها، لكن إرادة العائلة التقليدية في أن تحظى بمسمى دكتورة أخذتها إلى دراسة الطب، وسريعاً اختارت رشا محمد الدوري هذا التخصص عن رغبة عائلية، لكنها توجهت بفكرها الإبداعي نحو طب الأسنان، وهي الآن تحمل شهادة البكالوريوس في طب الأسنان من جامعة عجمان، وتحتفظ بميول تخصصي في تقويم وجراحة الفك، في حين أن واقعها في هذا المجال يبدو مختلفاً وبصبغة إبداعية لا تخلو من حلم الهندسة الطفولي.
رشا الدكتورة الصغيرة تبدو الآن منسجمة مع تخصص جراحة وتقويم الأسنان، وتحتفظ بسر مهم في هذا الجانب، ولها السبق في مجال إبداعي يتشكل في قالب هندسي مختلف، كيف لا وهي في أدق تفاصيل عملها تخاطب وجوه البشر. بعد دراسة دامت خمسة أعوام، حان الوقت بالنسبة لرشا وزميلاتها الطبيبات المنتظرات على مقاعد الدراسة، لتجسيد أبحاث تسمى تقليدياً مشاريع تخرج، واختارت رشا بحس طفولتها المبدع الاصعب أو بالأحرى شبه المستحيل، كما وصفه أساتذتها الأطباء، حيث اختارت لنفسها أطروحة بحثية تفوق عمرها، وتمكنت من خلالها من تصور شكل وجه الإنسان بعد العملية الجراحية الخاصة بالفكين، لا سيما لمن يعانون من مشكلات في الفكين وفي الأسنان، ويحتاجون التقويم والجراحة، وهم كما تقول يشكلون نسبة كبيرة من المجتمع.
مشروع تخرج رشا الذي يرسم بالقياسات الدقيقة كيفية تحول وجه الإنسان من شكل إلى آخر، ويتسع أكثر ليؤكد هذا الواقع من خلال برامج على الكمبيوتر، يعد الأول من نوعه على مستوى العالم العربي، يعد خطوة علمية وعملية جريئة ومبدعة ونافعة في عالم تجميل الفك والوجه والأسنان، فلم يسبق أن تمكن أحد من تجسيد ذلك الإبداع بالشكل الذي أبدعته رشا الدكتورة الصغيرة.
وعلى الرغم من أن الدكتورة رشا أرادت منذ البداية أن تبدع في مجال الهندسة والتصميم، إلا أن واقعها الطموح في تخصص تقويم وجراحة الأسنان، منحها ثقة أخرى لم تتوقعها من قبل، فهي الآن تنجذب بشكل كبير نحو هذا التخصص، ليس لشيء سوى أنه يُعنى بالبشر وبالإنسان، على عكس الهندسة التي ترتبط بالجماد، و الممتع كما تقول ان تتمكن من تغير حياة أناس نحو الأفضل، و أن تصبح اسماً كبيراً يحظى بثقة كبيرة في عيون المجتمع، ولهذا الأمر فهي مصممة على ابتكارات أفضل، بما يمنح البشر مزيداً من الفائدة والتسهيلات والحلول التي تصب في جانب مهم من حياتهم، وهو الثقة بالنفس.
سعياً منها لإكمال حلمها الذي أخذته على عاتقها من باب التحدي، وهو مشروع تخرجها المتوج بصبغة إبداعية، وبعد بحث وتفصيل ودراسة وتمعن في كثير من المجالات ذات الصلة، لجأت طالبة الطب رشا الدوري إلى مستشفى خليفة في أبوظبي، وتعاونت مع الدكتور الكندي الاستشاري الجراح في تقويم الأسنان والفكين ميشيل ديجير، و تجربتها في المستشفى أهلتها للتطبيق العملي في ثلاث عمليات جراحية للفكين، تمكنت من رصد جوانب أخرى تدعم فكرة مشروعها، إلى أن خلصت في النهاية إلى قاعدة علمية مبتكرة ترسم بدقة من خلالها شكل الوجه بعد إجراء العملية الجراحية للفكين، والتي حصنتها ببرنامج إلكتروني على الحاسوب من شأنه أن يعطي صوراً حقيقة ومحفزة للشخص المقصود.
ذلك الإنجاز الذي جاء بفعل طموح أقرب في طبيعته إلى موهبة علمية تختزنها في ذاتها منذ كانت صغيرة، منح الطبيبة الصغيرة رشا الدوري ثقة كبيرة لاستكمال حلمها في دراسة الماجستير التخصصي في إحدى الدول الأوروبية، الذي سيكون في التقويم وجراحة الفكين، وذلك بعد أن تنتهي من سنة التدريب والخبرة التي هي بصددها الآن.
مبكراً تمكنت الدكتورة رشا من رصد كيفية تغير وجه الإنسان بعضلاته وعظامه وحتى في الجلد، بعد عملية جراحية تجميلية مفترضة له، وذلك عن طريق قياسات وأرقام تحول إلى نسب، يستفيد منها الطبيب الجراح الذي يعرف كيف يمكن له أن يتلاعب في شكل عظمة الفك، مثلما تحفز المريض أو الشخص الذي ينوي الإقدام على عملية من هذا النوع، حيث يمكنه مشروعها البحثي من رؤية وجهه بعد العملية.
وذلك قبل أن يقدم على شيء، وهو أمر مهم في منح الشخص دافعاً لإجراء مثل هذه العمليات، خاصة وأنها تحدث تغييراً فورياً ومباشراً في شكل الإنسان بمجرد فراغ الطبيب من العملية الجراحية، وهذا سر جمال ذلك التخصص كما تقول الطبيبة المبدعة الصغيرة.
وتؤكد الدكتورة رشا أن الأشخاص الذين يعانون من مشكلات في الفكين والأسنان، واستناداً إلى دراسات عدة في هذا المجال، يواجهون صعوبات في جوانب مختلفة منها النطق والأكل؛ والأهم في العلاقات مع محيطهم ، إذ تتأثر نفسيتهم سلباً بسبب حالة عدم الثقة، وهو ما يدفعهم إلى سوء في العلاقات الاجتماعية.
وتلك الدراسات أثبتت أن الإنسان عندما يقدم على عملية تجميلية في الفك أو الأسنان، فإنه يحظى بتغيير إيجابي على صعيد العلاقات الاجتماعية مع محيطه، وذلك مرده الثقة في النفس التي امتلكها بفعل تغيير كان يحتاجه، وهذا الواقع تحديداً هو ما حمل تلك الطبيبة إلى الحب والإخلاص والتفاني في هذا المجال، لأنه يتعلق بمصائر أناس كثيرين، لذلك قبلت التحدي للوصول إلى ابتكار علمي هو الأول من نوعه عربياً، وكان لها ما أرادت.
دبي ـ عنان كتانة


