السجاد اليدوي عالم غريب في صناعته، إذ تصنعه أنامل ناعمة بأشكال وألوان مختلفة ومتنوعة، وذات جمال أخاذ يأسر العيون وقبلها القلوب، فهو رمز من رموز الشرق الذي ظل يبحث الغربيون عن جماله وجودته ومفرداته الروحية كقصص ألف ليلية وليلة، ورحم الله نزار قباني حين قال «حبك سجادة فارسية»، مدللا على البقاء والديمومة.
ويدير الشاب شهداب مير، أحد أفراد عائلة كشميرية توارثت صناعة السجاد منذ أكثر من 150 عاما، أهم متجر للسجاد الكشميري في دولة الإمارات وهو «كاني هوم». ويقول شهداب مير موضحا لـ «الحواس الخمس» إن أحدا من أسرته لم يتعلم صناعة السجاد والشالات الباشمينا على أنواعها في معهد أو جامعة، ولم تتح الفرصة لأي منا أن يدرس التصميم في الجامعات. ويضيف بقوله: إن هذه الصناعة انتقلت إلى إقليم كشمير فى الهند من بلاد فارس أيام حكم المغول للمنطقة، ويبدو تأثر الفنانين الكشميريين بالأسلوب الفارسي في الأشكال والألوان أيضا. ويشير إلى أن السجاد الكشميري غالبا ما يكون مصنوعا يدوياً، وبالكامل، من الحرير.
وهو يشتهر بعدد العقد فيه «للخيوط المستخدمة في الحياكة»، التي غالبا ما تكون مزدوجة تظهر على السجادة من الخلف وتدل على احتراف ودقة وجودة عالية. ويوضح أن السجاد الكشميري المصنوع من الصوف يكون غالبا على أساس قطني، أما الصوف المستخدم فمن أجود أنواع الصوف الذي تشتهر بها كشمير. أما المصنوعة من الحرير فإما أن يكون أساسها قطنيا أو من الحرير أيضاً، وهذه الأخيرة تكون أغلى ثمنا. ويشير شهداب باتجاه سجادة قال إنها للذواقة، وهي «آردبل كشمير» التي يبلغ طولها 180 سنتيمترا، وعرضها 120 سنتمترا، وهي مصنوعة من الحرير الطبيعي الخالص. أما عدد العقد في البوصة المربعة فيبلغ 1024 عقدة. وقد شارك في إنجازها 12 شخصا اشتغلوا عليها نحو 14 شهرا. ويبلغ ثمن هذه السجادة نحو 27 ألف درهم. ويضيف شهداب مير أن حياكة السجاد انطلقت من وسط آسيا في القرن الثاني أو الثالث قبل الميلاد.
ولم يُستَخدَم السجاد في أوروبا لتغطية الأرضيات إلا في أوائل القرن الثامن عشر، في حين أدخل العرب المسلمون السجاد معهم إلى إسبانيا ابتداء من القرن العاشر للميلاد.
وفتحت الطرق التجارية بين آسيا وأوروبا الطريق أمام السجاد المصنوع في فارس ليدخل أوروبا الغربية. كما ساهم التوسع الذي عرفته الإمبراطورية العثمانية في دخول السجاد «التركي» إلى مختلف أنحاء أوروبا.
ويذكر شهداب مير أن و«بازيريك كاربيت» تعد أقدم سجادة على الإطلاق، إذ يعود تاريخ صناعتها إلى القرن الرابع أو الخامس قبل الميلاد. وقد عثر عليها عالم آثار يدعى سرغي افانوفيتش ردينكو عام 1949 في منطقة سيبيريا حيث كانت محفوظة في جليد وادي «بازيريك» الذي نسبت إليه. ويعتقد أن مصدر السجادة التي يبلغ حجمها 200 ظ381 سنتيمترا، هو مناطق محاذية لشمال إيران.
ورغم الشهرة الواسعة التي يحظى بها السجاد الإيراني بأنواعه المختلفة التي تدل على أماكن صنعه داخل الجمهورية الإسلامية، فإن ثمة أنواعاً أخرى من السجاد تتمتع بجودة عالية وشهرة، من بينها السجاد الكشميري الذي يتميز بحياكته اليدوية الدقيقة بخيوط حرير طبيعية ورسومه المختلفة إلى جانب ندرته.
ومن جانب آخر فقد بدا تصدير السجاد لأول مرة في القرن الثالث عشر، ويبدو ذلك جليا من خلال الرسومات الشرقية والنقوش التي تظهر في الصور الأوروبية والعائدة إلى تلك الفترة، وكانت تستعمل للزينة فقط، ثم انتشر تقليد فرش الأرضيات بالسجاد مع مرور الزمن.
السلاجقة نقلوا البساط الشرقي إلى العالمية
ويؤكد شهداب مير أن البساط الشرقي المشغول بطريقة الربط، مكوّن من نسيج أساسي ثابت وعليه طبقة من الوبر مصنوعة من خيوط قصيرة، مفضلة عن بعضها البعض ليكون صوف الخراف هو المفضل دائماً للعقدة، وقليلاً ما تم استعمال القطن، ويعتبر الحرير من أغلى المواد المستعملة لأن بريقه يضفي زهواً خاصاً على طبقة الشعر العليا.
وشكل الوبر على البساط الذي يُشبه الفراء لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ليسد النقص في فراء الحيوانات الذي كان يُستعمل للجلوس على الأرض، ففي الغرب اعتادوا الجلوس على مقاعد مرتفعة، لذا لم تتطور هناك فنون البساط الأرضي.
ولقد بدا نسيج البساط والسجاد في البلاد العربية في القرن 11 مع دخول السلاجقة إليها، وقليلة هي أعداد البساط التي بقيت من العصور الوسطى أصلها من هناك، واحتل البساط الوبري مكانة مرموقة بين المنتجات المصدرة من الشرق إلى الغرب في الماضي والحاضر.
وقد بدأ بتصدير السجاد في القرن 13، وربما قبل ذلك، ويستدل على ذلك من الأبسطة التي تظهر في الصور الأوروبية من تلك الفترة، وكانت تستعمل هذه الأبسطة في تزيين الكنائس، وبعضها كان يُعلق على النوافذ أيام الأعياد وفي الاستعراضات، وبعض الأحيان استعملت كأغطية للموائد والجدران، الأمر الذي لم يكن مألوفًا في الشرق الأوسط.
إضاءة
في الآونة الأخيرة تم استبدال السجاد اليدوي بالسجاد الميكانيكي المصنع في البلدان المختلفة ومنه السوري والسعودي والتركي والعراقي، ويمتاز بجماله وروعته، ولكن صناعته تختلف من حيث الجودة عن السجاد اليدوي إذ أن المادة الأولية لهذا النوع هي «البولي بروبلين».


