القفطان المغربي لوحة تجمع بين «القماش» والثقافة الأصيلة التي لا تتخلص من الماضي كليا، ولا تهمل مسايرة العصرـ محافظة بذلك على أناقة المرأة المغربية وحشمتها. فالقفطان المغربي يمنح الأنثى شخصية أقرب إلى الملكات في ثيابهن الأسطورية.

وبفضل الكثيرات من المصممات المغربيات، بقي القفطان حلم كل أنثى في عرسها، لم تمحه الموديلات العالمية الجديدة، ولا فساتين الأعراس البيضاء، بل استمر في تزيين ليلة العرس كأنه قمرها. وخطوط القفطان ونوعية القماش تظل مطلبا تبحث عنه المرأة العصرية المغربية، وتبقى مدن عديدة محط أنظار عشاق القفطان ومن أشهرها مدن فاس والرباط ومراكش، حيث تنتشر محلات تصميم وبيع القفاطين التي تساهم بشكل من الأشكال في ترويج ثقافة الأزياء المغربية إلى العالم.

ويعد القفطان بمثابة لوحة تفيض رقة، وتضفي على المرأة لمسات من البهاء، تحيي في البال أجواء وأساطير ألف ليلة وليلة، من خلال الافتتان بالخيوط والألوان والسحر والجمال، ووراء هذا اللباس المفعم بالتراث وعبق الأرض والتاريخ أنامل ناعمة لمصممات شابات هن اللواتي يبدعن تصاميمه وتصوراته على الورق، قبل أن يخرج إلى واجهة العرض على أجساد عارضات الأزياء.

في المعهد العالي لتصميم الأزياء بمدينة الدار البيضاء يتم تدريبهن وتأهيلهن لاحتراف مهنة تصميم الفساتين وممارسة التفصيل والخياطة، وبعض المصممات لم يدخلن المعهد، بل ورثن الحرفة عن أمهاتهن وجداتهن، أو تعلمناها اعتمادا على عصاميتهن. وبفضل هذا الجيل الجديد من المصممات.

سواء المتعلمات منهن في المعهد العالي لتصميم الأزياء، أو العصاميات، أمكن للفستان المغربي أن يتجدد، ويغزو مختلف بلدان العالم، مع الحفاظ على هويته. وفاء الزروقي، رئيسة جمعية المرأة الحرفية بمدينة مراكش، تقول: إن سر صمود الفستان المغربي في وجه الزمن، هو ارتباطه بالعادات والتقاليد والأفراح، إذ لا يمكن تصور حضور المرأة أي حفل أو عرس من دونه، فهو لباس محتشم، ويضفي عليها مزيدا من الغموض والإثارة والافتتان والجاذبية، ويجعلها أكثر شعورا بالراحة سواء في الجلوس أو خلال المشي والحركة.

أجمل لباس نسوي

لعل أجمل ما في الفستان هو أنه ليس ثوبا أو نسيجا أو تفصيلا أو لونا أو تصميما، بل هو رمز الأنوثة والأناقة العربية الحقيقية. والتعبير هنا على لسان المصممة سعاد قصباوي، التي كانت منكبة على وضع تصميم جديد لفستان قيد الإنجاز، لحظة اللقاء معها، قبل أن تضيف: إنه أجمل لباس يمكن أن تلبسه المرأة، ولا ينافسه سواء العباءة المغربية التي شهدت هي الأخرى تحسينات وتعديلات لتتلاءم أكثر مع العصر، مثل الجلابية «القصيرة» التي أصبحت ترديها المرأة، وتحتها سروال من الجينز، لإعطائها بصمة الشباب في علاقته مع العصر الحديث.

الزمن يتطور

وهذا السعي للتوازن وضبط المعادلة الفنية بين الأصالة والمعاصرة، هو ما تحرص عليه كل مصممة أزياء شابة، وعيا وإدراكا منها بأن الزمن يتطور، ولا بد أن تكون الأزياء التقليدية انعكاسا لهذا التوجه، من خلال بلورة تصميمات أكثر حيوية وديناميكية، كما تقول المصممة زهرة كرييش التي هاجرت إلى هولندا، وفتحت محلا لتصميم الأزياء المغربية يستقطب إقبالا كبيرا من طرف الأوروبيات أيضا.

الأسبقية لذوق الشباب

كذلك فإن المصممة سميرة حدوشي، وهي من أبرز المصممات الشابات، وأكثرهن شهرة وانتشارا، لها وجهة نظر في الموضوع، مؤكدة على ضرورة عصرنة أي زى تقليدي قديم مع الحفاظ على روحه، سواء كان فستانا أو جلبابا، مجاراة ومراعاة للتطور الطبيعي الحاصل في أذواق بنات وشباب اليوم.

ونظرا لتجاوبها مع إيقاع العصر فإن تصاميم سميرة تلقى رواجا كبيرا، لدرجة ان أغلب النجمات المشهورات يتسابقن لارتداء فساتينها التي تتميز بجمعها بين حداثة الغرب وأصالة الهوية العربية.

ولكن يظل لكل مصممة طريقتها في ابتكار تصوراتها وتصميماتها. تقول وفاء مثلا: أستلهم أفكاري من الرصيد التاريخي للفستان عبر العصور، وكذلك مما هو مرتبط أصلا باللحظة الراهنة، كما أن بعض الزبونات يقترحن التصاميم بأنفسهن، بما فيهن بعض سائحات مراكش الأجنبيات، وفق تصور معين لديهن لتحقيق التميز والإثارة، فأحاول بلورته لكسب رضائهن، وغالبا ما ترتسم البهجة على ملامحهن لدى ارتدائهن الموديلات الجديدة بعد إتمامها.

أما المصممة الشابة سميرة فإن مصادر استلهامها للأزياء متعددة، بحكم ثقافتها وتجربتها ورحلاتها حول العالم. فقد تلمع فكرة مشروع تصميم جديدة في فكرها، في مكان ما في الشارع، أو الطائرة، أو المقهى، فتسجلها فوق الورق على الفور، لتحولها فيما بعد في محل اشتغالها بمدينة الدار البيضاء إلى إنجاز فني مبهر متفاعل مع تطور الحياة.

ملابس خفيفة للسهرة

لا حدود لإدخال التغيير على الفستان المغربي، الذي خضع في السنين الأخيرة لعدد من التعديلات. تقول سعاد: هذا التوجه فرضته الرغبات الدفينة في أعماق الشابات الشغوفات بالتحرر أكثر من ثقل الملابس، قصد التجدد والانطلاق، ولذلك صار من المألوف اليوم ارتداء فساتين قصيرة، وبدون أكمام أحيانا، وخاصة بالنسبة لملابس السهرة.

بعض النساء يفضلنها بدون أحزمة، والبعض الآخر منهن يرغبن في أحزمة مصممة من خيوط حريرية تشع بلون الذهب. وتكمل المصممة وفاء قائلة: إن الموضة الرائجة الآن هي مزيج من القفطان الأصيل ومن الفساتين العصرية وتعدد القطع في الفستان الواحد.

أسعار الفستان نار

ثمة شكوى دائمة على الألسنة من غلاء الفستان المغربي، حيث لا تسمح إمكانيات بعض الشابات من مجاراة أسعاره الباهظة. وفي هذا الصدد تقول سميرة، إن مرد ذلك يعود بالأساس إلى مستوى التصميم، ونوعية القماش، وشكل الشغل اليدوي، والخامات والفصوص والمواد الخام، وكذا طبيعة الألوان المختلفة المستعملة فيه.

إضافة إلى الزخرفة بالطراز المغربي الأصيل المغزول من خيوط الحرير المذهب، وكل ذلك يتطلب الكثير من الوقت، والكثير من الجهد، ورغم ذلك فإن كل شابة يمكن لها أن تختار الفستان الذي يتناسب مع إمكانياتها ومقاسها ووضعها الاجتماعي، إذ ان هناك كذلك أثمانا لجميع الفئات.

الألوان: دلالة ورسالة

ومما يلفت النظر، ويثير الإعجاب في العيون خلال حفلات عروض الأزياء، التي تقام في المغرب وخارجها بين الحين والآخر، هو هذا التنوع في الألوان التي تغمر الفساتين بدفئها.

المصممة زهرة ترى أن الفستان هو بمثابة تجسيد لفسيفساء الطبيعة المغربية، بكل عنفوانها وتعدد مشاهدها على الأرض، ولكل لون رسالة أو دلالة معينة. فاللون الأبيض يرمز إلى الفرح، وغالبا ما ترتديه العروس ليلة الزفاف.

واللون الأخضر يحيل على الشباب والإقبال على الحياة. واللون البرتقالي مصدر البهجة المحببة، واللون الأزرق هو لون البحر والسماء ويعطي الإحساس بالصفاء، واللون الأحمر هو نداء صارخ للحب ودليل على التحدي.

وحين تجتمع كل هذه الألوان في فستان واحد، فإن المرأة التي تلبسه، تمشي متمخطرة مزهوة بنفسها، وباحتضانها لكل ألوان الدنيا فوق جسدها في تشكيلة تزينها الأقراط والمجوهرات الذهبية في جيدها. كل الألوان مشرقة بالنسبة للفستان المغربي، ويجعل صاحبته مثل حسناء قادمة من عوالم الأسطورة والخيال، هكذا تعلق المصممة وفاء الزورقي من وراء ابتسامتها.

إضاءة

صناعة القفطان المغربي هو قطاع خاص بذاته، ويضم كما هائلا من المختصين في هذا المجال من مصممين ومبدعين في مجال الخياطة والتطريز وخبراء في تنسيق الألوان. كما تتم تنمية وازدهار هذا القطاع عبر تنظيم معارض للقفطان المغربي داخل المغرب وخارجه، ومن أشهرها التظاهرة الكبرى «قفطان المغرب»، والتي تنظم كل سنة ويسلط فيه الضوء على آخر الصيحات في تصميم القفطان، الجلابية وكل الأزياء التقليدية المغربية.

دبي - رشا عبدالمنعم