من أجل تحقيق أهداف سياسية، قد تضيع الأخلاق والمبادئ وأيضا البشر، معروف ذلك منذ القدم، وحتى الآن، وكل الشواهد من حولنا تؤكد بشاعة ما يحدث، والصحافة تقدم تأثير هذا بصورة قوية، سواء في أقوى الدول أو أضعفها.
وهذا فيلم يتناول خطوط التماس بين السياسة والصحافة في أميركا، وليس هذا بغريب، فمساحة الحرية والديمقراطية المتاحة هناك، تسمح بكل أنواع النقد، وفي نفس الوقت تواصل السياسة ألعابها شرقا وغربا لتحقيق أهدافها، وقد تتغير الصحافة في أشكالها وأساليبها، ولكن يبقى الأساس واحدا، وما يهمنا هنا أن السينما استطاعت أن تقول رأيها بشجاعة في كواليس السياسة ودهاليز الصحافة، وسجلت هذا الرأي في وثيقة يمكن تداولها في أي وقت وفي أي مكان.
الفيلم عنوانه (State of Play - حالة من اللعب) للمخرج كيفين ماكدونالد، والذي نجح في إضفاء مسحة إثارة على القصة المقتبسة عن سلسلة تلفزيونية قصيرة عرضت على البي بي سي عام 2003 على مدى ست ساعات، وفي سبيل تقليص مدة الفيلم السينمائي إلى ساعتين فقط، لجأ مكدونالد إلى ثلاثة من كتاب النصوص الذين يجيدون فعلاً التعامل مع أفلام من هذه النوعية، ماثيو مايكل كارناهان (كاتب Lion of Play ) ، وتوني غيلروي (كاتبMichael Clayton) والذي يتناول مرارا و تكرارا فساد الشركات العملاقة، و بيلي راي (كاتب Shutterd Glass)، وفي الحقيقة كانت النتيجة جيدة ورائعة إلى حد بعيد.
والفيلم متعة بصرية وذهنية، تشكل في النهاية شحنة متفجرة من المشاعر والفكر الإنساني الذي يرفض العنف والخديعة، يلعب بطولته الاسترالي راسل كرو والبريطانية هيلين مرين والأميركي بن أفليك، ويشارك معهم روبن رايت بن وجيف دانيالز وجيسون باتمان، ويجسد راسل كرو دور صحافي أميركي يجمع خيوط قضية قتل غامضة طرفها صديقه عضو الكونجرس ـ ويؤدي دوره بن أفليك ـ بينما تتشابك الأحداث التي تكشف الفساد في طريقة آلية الإعلام الأميركي، ومواربته على كثير من القضايا لصالح السياسيين.
في مشاهد سينمائية متتالية يتناول الفيلم قصة جريمة قتل غامضة ترتكب بحق لص متشرد مدمن على المخدرات، تعقبها جريمة قتل شنيعة ترتكب بحق سونيا بيكر مديرة الأبحاث في اللجنة التي يرأسها عضو الكونغرس الأميركي ستيفن كولينز الذي يمثل المستقبل المشرق لحزبه، جريمتان توقظان حس الصحافي لدى كال مكافري كبير مراسلي صحيفة الواشنطن غلوب مدفوعاً بولع الحقيقة من جهة وبالصداقة القديمة التي ربطته بكولينز أيام السكن الجامعي الذي جمعهما، كال مكافري سرعان ما يكتشف بأن الجريمتين مرتبطتين ببعضهما وليست مجرد مصادفة حدوثهما في الليلة ذاتها.
قبل أن يستغل معارضو كولينز والممتعضون من لجنته القضية لربط كولينز بسونيا من خلال علاقة عاطفية جمعتهما، بغرض تشتيت انتباهه عن لجنته المخصصة للنظر في قضايا الإنفاق العسكري، مكافري المتحمس يصطدم بإصرار رئيسته في الصحيفة على إقحام بلوغر شابة في القضية، ديلا فري التي تدير الصفحة الإلكترونية للصحيفة لا تواجه بالقبول من مكافري لكنه سرعان ما يحولها إلى مساعدة له، قبل أن يكتشف أنه غاص في واحد من أعقد تقاريره، ومن أعنف الضربات الصحافية في مسيرته.
يستمد العمل قوته وجاذبيته من حبكته، فهي تقريبا كل شيء في هذا الفيلم، ونوعية أفلام كهذه لا يهتم فيها كثيرا بالبناء النفسي لشخصياتها، أو بنوعية الأداء التي يقدمها أبطالها، بل يبقى الأهم وهو صنع مخرج الفيلم علاقة سوية وصحيحة بين المشاهد وما يشاهده، و بقاؤه على اتصال لا ينقطع بكل ما يجري أمامه على الشاشة من أحداث متلاحقة ومعلومات تشكل في النهاية محتوى الفيلم ورسالته.
بصورة مجملة يتعامل المخرج كيفين مكدونالد مع النص بامتياز لا غبار عليه، نجده في إدارة فيلمه يوحد بحذر جريمتي القتل في طريق واحد، قبل أن يوسع الحبكة (ببعدها الإخراجي) إلى آفاق جديدة تكون كافية بحد ذاتها لخلق إثارة متميزة و قوية، ثم يضيقها بذكاء يحسب له ليحصرها في الختام بكشف المتسبب بما يحدث، ولا يحاول أن يذهب أبعد من ذلك، لأنه قال كل شيء بالرمز والدلالة وفضح المخبأ والمسكوت عنه سياسيا وصحافيا.
تم تصوير الفيلم من خلال نوعين من الكاميرات وعلى مستويين: الأولى 35 مللي لتصوير مشاهد الصحافة والمؤسسات الصحافية وكواليس العمل بها وصراعاتها، لإضفاء بعد خاص يعكس قوة تأثيرها وغموضها، في حين استخدمت كاميرا فيديو (هاى ديفينشن) لتصوير مشاهد عالم السياسة ورجالها، كما استعان المخرج بالموسيقى ألكس هيفز لوضع الموسيقى التصويرية، التي كانت فاعلة في شحن الإثارة لأجواء الجريمة والبحث والتنقيب في عالمي الصحافة والسياسية.
عرض الفيلم في أبريل الماضي بالولايات المتحدة محققًا 73 مليون دولار حتى الآن، ومازال جاريا عرضة في الإمارات وبعض الدول العربية وأنحاء العالم، في حين استقبله النقاد بشكل جيد ولافت للانتباه.
الفيلم: State of Play
المخرج: كيفين ماكدونالد
سيناريو: ماثيو مايكل كارناهان، توني غيلروي، بيلي راي
بطولة: راسل كرو، هيلين مرين، بن أفليك
إنتاج: يونيفرسال بيكتشرز
تصنيف: دراما، جريمة
مدته: ساعتان و12 دقيقة
دبي - أسامة عسل
