لاريسا كراسنوغور، حرم القنصل الروسي في دبي والإمارات الشمالية، وعميدة سيدات السلك الدبلوماسي، تختزن في شخصيتها الكثير من المقومات السياسية والاجتماعية للارتقاء بالعمل النسوي على صعيد زوجات الدبلوماسيين، فهي على سبيل الذكر تنتمي لطبقة النبلاء في بلدها روسيا.. ولأسباب كثيرة ومتشعبة، تمكنت من قيادة العمل الدبلوماسي النسوي في دبي، مركزة على الجوانب الاجتماعية والثقافية والإنسانية، وغيرها مما لا تطالها جهود أزواجهن.

لاريسا التي تؤمن أن العمل السياسي ينطلق من الأسرة، ويعتمد عليهن كزوجات وأمهات، وعلى ما يغرسنه في عقول وقلوب الأجيال من قيم ومبادئ، تجيد في الجانب الآخر التعاطي مع اللغة العربية لدرجة الاحتراف، وهو ما أهلها لخوض غمار العمل السياسي بتفاصيله الاجتماعية والثقافية والإنسانية مع مجموعة من زوجات القناصل والدبلوماسيين، انطلاقاً من فهمها للواقع وإحاطتها بطبيعة المجتمع الإماراتي والشرق الأوسط على وجه العموم، وهي الآن بصدد تأليف كتاب حول كيفية تعلم اللغة العربية للطلبة الروس.. أما رحلتها مع الثقافة العربية الواسعة فلا تحدها الكلمات لأنها طويلة وراسخة بجذور فصاحة اللغة العربية التي عشقتها حد الوله.

أخيراً احتفلت لاريسا بحضور عدد من زوجات القناصل والهيئات الدبلوماسية، بالعيد الوطني الثاني عشر لروسيا، التقيناها، فتحدثت عن تجربة نسوية قيادية مختلفة، فيها الكثير من الإيجابيات.. وفيما يلي نص الحوار مع عميدة سيدات السلك الدبلوماسي في دبي..

حدثينا عن جدوى إيجاد مجموعة سيدات السلك الدبلوماسي، التي تتولين رئاستها.

الهدف من تشكيل هذه المجموعة، توحيد زوجات القناصل العامين والمعتمدين في دبي والإمارات الشمالية، ولكن للأسف ليس جميع القناصل العاملين في الدولة متواجدين مع عائلاتهم، إذ يوجد نحو 60 قنصلاَ، وعدد الناشطات في المجموعة لا يتجاوز 35 امرأة، وبما أن أزواجنا مشغولون بالأمور السياسية والقنصلية، فإننا نقوم بممارسة بعض النشاطات الاجتماعية والثقافية، التي لا يسعفهم الوقت غالباً للقيام بها، وصدورنا رحبة لاحتواء مختلف الموضوعات ومناقشتها، بدءاً بموضوعات التربية ورعاية الأسرة وتنظيم الظروف المعيشية، وانتهاءً بالتنوير الثقافي والسياسي.

وما علاقتكم بالعمل السياسي؟

العمل السياسي ينطلق من الأسرة، ويعتمد علينا نحن كزوجات وأمهات، وعلى ما نغرسه من قيم ومبادئ في الأجيال، ولا توجد أم في العالم لا تريد السلام والسعادة لأطفالها، وهذا يعني وجود الكثير من القواسم المشتركة بيننا، والمطلوب منا هو أن نتعلم كيف نفهم ونحترم بعضنا البعض، وأن يحترم كل منا عادات وتقاليد الآخر.

ونحن ـ نساء العالم ـ لا نشك في طاقاتنا لتحقيق ما نرجوه، وذلك بحديث كل واحدة منا عن نفسها وبلدها وشعبها، والتعرف بنفس الوقت على عادات وتقاليد شعوب أخرى لا تقل أهمية عن عالمها، وهنا يكمن جوهر السياسة ذات الحكمة النسائية، وهي كفيلة بجمع الحضارات في بوتقة واحدة.

ما النشاطات التي تقومون بها؟

نشاطاتنا واسعة جداً، وتوطيد العلاقات مع مجتمع النخبة النسائية من المسائل الرئيسية والمحورية، وقد حظينا بعلاقات ودية متينة مع جمعية النهضة النسائية، إضافة إلى العديد من المؤسسات النسائية الأخرى في الإمارات الشمالية، لذلك فنحن نسعى للمشاركة في جميع المؤتمرات والمعارض على المستوى المحلي والدولي، فضلاً عن الأمسيات الفنية والفعاليات الرسمية الأخرى، وقد حصلت عضوات جمعيتنا على التكريم أكثر من مرة لمشاركتهن في البرامج الثقافية والاجتماعية والتعليمية المهمة.

وتشكل الأعمال الخيرية الجانب المهم من نشاطاتنا، وقد قمنا بزيارة بعض المراكز المخصصة للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وصادفت إحدى هذه الزيارات العيد الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تشاركنا مع الصغار في مركز راشد لرعاية الطفولة، في احتفالية كبيرة، وقدمنا الهدايا للأطفال الذين كان عددهم نحو 150 طفلاً، وكنا سعداء بذلك.

وأيضاً تمكنا من تقديم مبلغ لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي، تم جمعه من قبل عضوات رابطتنا، وسبق ذلك أن بادرت 35 زوجة من زوجات القناصل لمشاركة نساء إماراتيات بتغليف صناديق من المواد الضرورية المعدة لأطفال غزة.

والآن نخطط للمشاركة في السوق الخيري الذي تتولى تنظيمه جمعية النهضة النسائية، تحت رعاية حرم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، سمو الشيخة هند بنت مكتوم بن جمعة آل مكتوم، وسيكون هذا النشاط مميزا بالتأكيد، إذ يشارك فيه ممثلو أكثر من 30 بلداً.

تجيدين العربية بامتياز، ما سر تعلمك لها؟

حين التحقت بكلية الصحافة الدولية، في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، الذي يعتبر من أفضل وأشهر الجامعات في روسيا، اقترحوا علي دراسة اللغتين الإنجليزية والإيطالية، في الوقت الذي كنت أود دراسة الفرنسية، وقد كان أجدادي من طبقة النبلاء، وكانت اللغة الفرنسية اللغة الأم الثانية بالنسبة لهم. وفي العام الذي التحقت فيه بالجامعة، كان الخيار المطروح أمامي هو دراسة اللغة العربية كلغة أولى، والفرنسية ثانية، حيث كان لا بد وحسب برنامج الجامعة من دراسة لغتين على الأقل، وبدون تردد وافقت على اقتراح عميد الكلية، وباشرت بدراسة اللغة العربية بكل جدية ومثابرة.

ولتحقيق ما أصبو إليه كنت أسهر الليالي حتى الرابعة صباحاً لدراسة اللغات، لقد كانت مرحلة صعبة.

وسرعان ما تغيرت الأمور، واستفاقت لدي ميول دراسة اللغة العربية بتعمق أكثر، وذلك بفضل مؤتمر القوى المحبة للسلام، الذي انعقد في موسكو آنذاك، حيث كان الوفد اللبناني المشارك في المؤتمر المذكور برئاسة رئيس الحكومة اللبناني رشيد كرامي، وقد ترك لقائي معه والخطاب الحماسي الذي ألقاه باللغة العربية الفصحى، في نفسي انطباعاً رائعاً، ومنذ تلك اللحظة بدأت أعشق اللغة العربية لدرجة أنني بذلت جهوداً مضنية كي أتمكن من نطق الحروف العربية بسهولة.

بعد ذلك بدأت البعثات للدول العربية، وبدأت معها آفاق جديدة في رحاب اللغة العربية، وأصبح اليمن بمكتباته الغنية الخطوة المهمة الثانية في رحلتي الشاقة مع دراسة اللغة العربية، وأدركت حينذاك أن اللغة العربية ليست مجرد لغة فحسب، وإنما هي تراث حضارة غنية وعريقة، وقد تسنى لي العمل مدة من الزمن في جريدة الأهرام في مصر المركز التاريخي والثقافي المهم للعالم العربي، وبدأت تتكشف أمامي من جديد عوالم لغوية جديدة.

هل تجدين ضرورة تعلم اللغة العربية للجالية الروسية الموجودة في دولة الإمارات، وغيرها؟

بالطبع معرفة اللغة تزيد من فرص التعاون البناء والعلاقات الطيبة، وإجادة اللغة العربية يعني بداية النجاح، ناهيك عما يكتسبه الإنسان من ثقافات الشعوب الأخرى، والاطلاع على أفكارهم، بالتالي سهولة التعامل معهم. أرى أن اللغة العربية ضرورية لكل شخص، فهي لغة عريقة ولم يطرأ عليها أي تغيير منذ ظهورها وحتى الآن، على خلاف كثير من اللغات الحية المعاصرة، وإني واثقة من أن تعلم العربية يوفر للفرد فرصة استيعاب لغته الأم بشكل أفضل، فهي لغة التأمل والإبداع، والبحث عن جذر الكلمة وأصولها ومعانيها.

دراسة اللغة العربية تعني الاستمرار في التأمل والتفكير والاستنتاج، وهذا يعني التطور الدائم.

ما الدول التي تركت لديك انطباعاً أكثر في الشرق الأوسط؟

لكل بلد ميزة مختلفة، فمصر تمتاز بحضارتها العريقة وأهراماتها الرائعة، ولا يقل عنها اليمن الذي لم تدنس أقدام المستعمرين أرضه، والأردن يزخر بالأماكن التاريخية والطبيعة الخلابة. أما دبي فيعجز الكلام عن وصف هذه المدينة التي أتردد في تسميتها، وأقف حائرةً أمامها، أهي حقاً مدينة أم ماذا، إني أراها الأعجوبة الثامنة. وعلى الرغم من أن دولة الإمارات لم تقطع شوطاً زمنيا طويلاً مقارنة بالدول الأخرى، إلا أنها استطاعت أن تنافس الكثير من دول العالم في تطورها في جميع النواحي.

وماذا عن علاقتك الخاصة مع المجتمع النسائي في الإمارات؟

أعجبت بنشاط نساء الإمارات، الذي يشكل قاسماً مشتركاً مع النساء في روسيا، اللواتي نجحن في حياتهن كأمهات وزوجات ومختصات في مجالات شتى، وقد لاحظت أن المجتمع الإماراتي يولي اهتماما بالغاً لدولتنا ولديه الفضول لمعرفة كل شيء عن روسيا، تماماً كاهتمامنا بشعب الإمارات الرائع والمعروف بحسن الضيافة.

هل من بلد ما من البلدان التي لم تقيمين فيها بعد.. ترغبين العمل فيه؟

من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، وخاصة عندما أتذكر البلدان العربية التي أمضيت فيها فترة من الزمن، حيث أقمت في معظم بلدان الشرق الأوسط، وقد تركت كل هذه البلدان أثراً طيباً في نفسي، وقد أمضيت في العالم العربي عقدين من الزمن، وأصبح هذا العالم بالنسبة لي هو الوطن الثاني الذي يشغل مكاناً في القلب وحنيناً بعد فراق، وودت لو أحظى برؤية بلدان أخرى جديدة.

هكذا علمتني دبي كيف أن لكل جديد مفاجآته، حين تلتقي به يخبرك أن ما قرأت عنه لم يكن كافياً، لقد فوجئت بقدومي إلى دبي، المدينة التي كنت أتابع أخبارها دائماً قبل سفري إليها.

هل لديك رغبة في تأليف كتاب عن دولة الإمارات؟

ليست رغبة فحسب، بل إنني أكتب بالفعل خواطر تعبر عن انطباعاتي تجاه هذا البلد، والحمد لله لدي الكثير من أخوات وصديقات رائعات، ولا بد أن أقوم ذات يوم بتأليف كتاب يلخص تلك اللقاءات الحارة والمهمة، لأن بساط الوقت حالياً ينسحب من تحت أقدامي دون أن أشعر به، فأنا الآن أقوم بتأليف كتاب تعليم اللغة العربية للطلبة الروس.

كما أود أن أنقل لشعب الإمارات الكثير عن روسيا.. روسيا بروحها الجبارة وكيانها العظيم، وطيبتها وكرمها، وأن أنقل إلى شعب روسيا الكثير عن هذا البلد العجيب، الصغير في مساحته الجغرافية والرحب الفسيح في مساحته الروحية، عن هذه النجمة الساطعة والمميزة (دولة الإمارات العربية المتحدة).

دبي - عنان كتانة