لارا فان راي، مخرجة استرالية في الأربعينات من عمرها، تمتلك خبرة إعلامية في عدد من البلدان الأوروبية، وقبل عامين جاءت إلى دبي، والتحقت بالعمل في قناة «إم بي سي» كمنتجة لتسويق البرامج..

ومسيرتها الإعلامية لا تزال تطمح للمزيد من الأعمال السينمائية والوثائقية تحديداً، وقبل أن تطأ قدماها أرض دبي؛ كانت لا تعرف عن الفلسطيني سوى أنه إنسان مهتم بتفاصيل الموت والجهل والفقر، هكذا تقول، بحسب ما كانت تتلقى من قبل من قنوات الإعلام الغربي المشوهة، وحينما وصلت إلى دبي بهدف العمل في مجموعة ام بي سي ، تعرفت إلى زميل لها فلسطيني من مدينة رام الله، يدعى باسل عباس، وكان يعمل مهندساً للصوت، ومن علاقتها الحذرة مع ذلك الزميل، استشفت لارا أن ما تكنه في داخلها من معلومات غربية تجاه أبناء فلسطين تبدو غير دقيقة.

قبل أقل من شهرين، بدا عباس قلقاً ومتوتراً بعض الشيء، سألته زميلته لارا التي بدأت تعود بأفكارها نحو الصواب، بفعل ما لمسته من معاملة فلسطينية تفيض بنبض الحياة والحلم: ما الذي يقلقك؟ أجابها أنه اقترب موعد مهرجان تراثي تقليدي في بلدته «الطيبة»، تلك القرية المسيحية الصغيرة الواقعة إلى الشمال من رام الله، وأنه لن يتمكن من الذهاب إلى هناك لأسباب عديدة.. وعند هذا الحد حامت الأفكار في رأس لارا التي قررت المغامرة لاستكشاف العالم الآخر المختفي من قاموس الإنسانية في حسابات الإعلام الغربي. وبلا سابق إنذار؛ سافرت لارا بعد أسابيع قليلة إلى الأردن حاملة معها كاميرا صغيرة، وترافقها صديقتها الأسترالية أيضاً، توجهتا عبر جسر الملك حسين، المخصص لعبور غير الفلسطينيين، وكما تقول كانت تعتريها نبرة خوف وقلق لكونها تغامر في دخول أراضٍ لم تلمحها من قبل سوى بنظرة ضيقة ومشوهة، وفي النهاية وصلت لارا إلى «الطيبة» حاملة معها هذه المرة إصراراً من نوع مختلف، وهو الخروج بفيلم وثائقي يلخص حالة فلسطينية تستحق الحياة.

في رام الله، شاركت لارا أهالي البلدة مهرجانهم التقليدي الذي شهده عشرات السياح الأوروبيون، إلى جانب أهالي القرية والمناطق القريبة، وفيه تعرفت بالصوت والصورة على ملامح إيجابية من الواقع الفلسطيني، ولم تغفل في قراءتها للمشهد بعض الإشارات السياسية، حيث الواقع الفلسطيني مخنوق بالمستوطنات والحواجز الإسرائيلية التي لا تنتهي، وخرجت مبتهجة بفيلم وثائقي تصل مدته إلى أكثر من 40 دقيقة، والذي تصور فيه حالة حب وإبداع وأمل في العيش والسلام، وهو ما لم تكن تؤمن به من قبل. في تجربتها الإعلامية المستكشفة، تعمدت لارا تجسيد رسالة مهمة وصادقة، وإيصالها إلى عالمها الغربي المنعزل نسبياً عن الواقع الفلسطيني، بعد أن اختبرت شخصياً بعض جوانب الحياة هناك، وبمعاينتها للواقع، وجدت أن الفلسطيني لا يكره الحياة، ولا يفضل الموت، ولا يتوق للقتل، وعلى العكس تماماً وجدته إنساناً مختلفاً ينشد الحياة من فتحات ضيقة لا تليق بالإنسانية، ويشدو للسلام بروح سامية، فهو شعب لا يختلف عن أي شعب في العالم، بل يتفوق في ملامح أخرى من العيش رغم قسوة الواقع، وذلك الواقع الملموس لا يشبه إطلاقاً ما كانت تتوقعه من قبل، وتحديداً قبل مجيئها إلى دبي والتقائها بفلسطينيين.

وبذلك الواقع المغاير، تمكنت لارا من رصد حالة معيشية بسيطة وعفوية، وتحديداً في مهرجان يدعى مهرجان البيرة، يقام سنوياً في قرية مسيحية صغيرة من فلسطين، ويشهده الآلاف من الداخل والخارج.. أما فيلمها التوثيقي فلم يغفل الجانب الآخر إشارات سياسية معبرة، حيث المستوطنات الإسرائيلية تنهب الأراضي الفلسطينية كما النار تأكل الهشيم، والحواجز التي تعرقل روتين الحياة البسيطة، وتقف عائقاً أمام واقع اقتصادي ومعيشي فلسطيني أفضل، وذلك ما أجبرها على البوح بأن الفلسطينيين شعب مظلوم حتى النخاع.

بفيلمها الذي يصور حياة فلسطينية مختلفة، تفوح بروح العيش والسلام والتفاؤل بالمستقبل، أصرت لارا على جمع عشرات الأوروبيين في دبي، في مسرح دبي الاجتماعي بمول الإمارات، لتعرض فيلمها الأول، على شكل رسالة للغرب مفادها أن الفلسطيني كائن مبدع يستحق الحياة، وهو ليس كما تظهره قنوات الإعلام الغربية.

وكما تؤكد لا فان راي، المخرجة الأسترالية الباحثة عن حقيقة فلسطينية، فإنها احتارت أن تصور واقعاً فلسطينياً يروي صناعة البيرة في قرية مسيحية صغيرة، ضمن مهرجان تقليدي لا يخلو من روح البقاء والوطنية، لهدف في رأسها، وهو أن ذلك الجانب يسهل عليها الوصول إلى عقول الغرب، فهي قصدت من وراء هذا الفيلم الذي أنجزته باللغة الإنجليزية الجمهور الغربي، لا سيما من يمتلكون ذات النظرة التي كانت تمتلكها، لذلك تحفزت إلى توثيق مهرجان البيرة الفلسطيني في قرية مسيحية، حتى تحاكي قبول مجتمع غربي مسيحي، حيث ان حال المسيحي في فلسطين كما المسلم، يرنو إلى الحياة والحب والسلام، وهو ما يستحق مزيداً من الدعم والمساندة.

معلومات

أنجزت لارا فان راي أكثر من 30 فيلماً قصيراً ووثائقياً، عملت في المجال الإعلامي ، وبدأت كمنتجة مسوقة للبرامج في لندن وأستراليا، قبل أن تنتقل إلى ال«إم بي سي» في دبي، وهي حائزة على جوائز عديدة .

لارا الأسترالية تقول إنها قبل أن تأتي إلى دبي لم تلتقِ أي فلسطيني، ومنذ عامين فقط، حظيت بفرصة التعرف على فلسطينيين كزملاء في العمل، وبحكم الواقع الإيجابي الذي لمسته من علاقتها بأناس كانت من قبل تخشى رؤيتهم، أصرت على فعل شيء لهم.

حظي الفيلم الوثائقي الجديد بإعجاب كبير من الأوروبيين ، لا سيما وهم يلمحون جانباً من الحياة الفلسطينية، على ما يبدو لم يتعرفوا عليه من قبل، وسيحظى الفيلم بعروض أخرى كثيرة في أوروبا والغرب، لذات الغرض.

ذلك الفيلم الوثائقي يلقي نظرة على مجتمع فلسطيني صغير، يعيش حياة إيجابية، ويعمل بجد متسلحاً بأمل السلام، ويروي قصة تصميم ونجاح لشخص عاش 20 عاماً في أميركا، ليعود إلى الوطن والمساهمة في بناء اقتصاد يتحدى الاحتلال.

دبي ـ عنان كتانة