يعد 2009 عاما فارقا في السينما المصرية، وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية، وتأثر شركات الإنتاج بأزمة السيولة المالية، وتقليص مدة الموسم الصيفي ليصبح 90 يوما فقط بسبب رمضان، وظهور ضغوط جديدة متمثلة في إنفلونزا الخنازير، ما يهدد بإغلاق صالات السينما ، فيما يعتبر البعض إن حدث ذلك (خراب بيوت مستعجل)، فلا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار أن سينما جديدة بدأت تتبلور في مصر، تتميز بالجمع بين المستوى التقني المرتفع وبين الأفكار المهمة بعد أن كانت متحققة على مستوى الشكل وأحيانا التواجد فقط.

وقد شهدت السوق السينمائية المصرية هذا العام ظهور شركات جديدة وتكتلات بين الشركات الموجودة لمواجهة الاحتكار وأزمة رؤوس الأموال، منها شركتان جديدتان لعبتا دورا محوريا في رفع معدل الأفلام الجديدة، الأولى لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس الذي اتحد مع المنتج كامل أبوعلي ليكوّنا شركة تحمل اسم مصر للسينما برأسمال 500 مليون جنيه مصري، والتي تضم استوديوهات مملوكة لها ومعامل فنية وتجهيزات ودور عرض، وفي هذا الإطار كان أول الأفلام التي قدماها معاً فيلم (دكان شحاتة) للمخرج خالد يوسف، والثانية لرجل الأعمال وصاحب قنوات ميلودي جمال مروان برأسمال 250 مليون جنيه مصري.

كما تأتي في مقدمة تلك التكتلات الإنتاجية شركة جودنيوز للإنتاج السينمائي، التي يمتلكها الإعلامي عماد الدين أديب، ومعه شقيقاه عمرو وعادل أديب، حيث ظهرت هذه الشركة منذ عامين فقط، وقدمت هذا العام فيلمي (إبراهيم الأبيض) و(بوبوس)، ويأتي أيضا في قائمة تكتلات الإنتاج السينمائي الحالية في مصر الأخوان السبكي، اللذان اعتمدا على سلاح آخر غير ضخامة الإنتاج وهو مخاطبة الطبقة الشعبية، التي تمثل قطاعاً عريضاً من المصريين، حيث قدما فيلمي (عمرو وسلمي2) و(الفرح)، بخلاف الأسماء الأخرى القوية والموجودة منذ سنوات مثل الشركة العربية التي تمتلكها الفنانة إسعاد يونس، وتجمع (الفن السابع) بقيادة محمد حسن رمزي وغيرهما من الشركات.

وتأتي التساؤلات التي تطرح نفسها: هل زيادة الإنتاج السينمائي ستغير من واقع سوق السينما المصرية، وهل اقتحام كيانات إنتاجية جديدة لعالم الإنتاج السينمائي سيكون إضافة حقيقية أم انه سيضر بمصالح المنتج المستقل، وهل فعلا ستصب في خانة إنتاج أفلام ذات تكاليف ضخمة، أم ستبقى فكرة الإنتاج السهل لتحقيق مكاسب سريعة هي المسيطرة؟.

من خلال نظرة سريعة لإنتاج عام 2009، يتضح أن أكثر الأفلام ضخامة في التكلفة وأهمية المطروح فيها من حيث المضمون والتقنية السينمائية، هو (إبراهيم الأبيض) للمخرج مروان حامد ، حيث تصل إلي 25 مليون جنيه، وسبب ارتفاع التكلفة هو الديكورات الضخمة للفيلم، وتم بناء أكبر ديكور في تاريخ السينما المصرية لأحد الأحياء العشوائية، الديكور بناه أنسي أبو سيف في استوديو مصر.

وينضم إلي هذه القائمة (دكان شحاتة) للمخرج خالد يوسف وبطولة عمرو سعد ومحمود حميدة وهيفاء وهبي ومحمد كريم، ووصلت تكلفة الفيلم إلي 18 مليون جنيه، ومن الأفلام الضخمة أيضا (احكي يا شهرزاد) للمخرج يسري نصر الله وبطولة منى زكي ومحمود حميدة، ويتناول القهر الذي تتعرض له المرأة الشرقية في عام 2008، وبلغت التكلفة الإنتاجية للفيلم 12 مليون جنيه.

وأخيرا يعود داود عبد السيد إلي السينما بعد غياب 6 سنوات بفيلم (رسائل بحر) بطولة آسر ياسين وبسمة، ويواصل داوود فيه تشريح المجتمع اقتصاديا وسياسيا من خلال قصة حب رومانسية بسيطة تدور في الإسكندرية، الفيلم حاصل علي دعم وزارة الثقافة وإنتاج داوود عبد السيد والشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي، ووصلت التكلفة الإنتاجية له إلي 12 مليون جنيه.

كما انتهى المخرج مجدي أحمد علي من تصوير فيلم (عصافير النيل) بطولة فتحي عبد الوهاب وعبير صبري، والفيلم مأخوذ عن رواية لإبراهيم أصلان، وهي الرواية الثانية لأصلان التي تتحول إلي سينما بعد رواية (مالك الحزين) التي تحولت إلي فيلم (الكيت كات) للمخرج داوود عبد السيد.

ويتعرض الفيلم إلي التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت منذ الأربعينيات حتى الآن، الفيلم إنتاج مجدي أحمد علي والشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي وحاصل علي مليوني ونصف المليون دعماً من وزارة الثقافة.

أسامة فوزي يستعد هو الآخر للانتهاء من تصوير فيلم (رسم علي الجسد العاري) وكان اسمه سابقا (يوسف والأشباح) تأليف هاني فوزي وبطولة يسرا اللوزي وكريم أحمد قاسم وفريال صالح وإنتاج شركة مصر للسينما، والفيلم حاصل علي دعم وزارة الثقافة، وتدور أحداثه داخل كلية الفنون الجميلة حول طالب يقع في حيرة بسبب طبيعة دراسته الفلسفية، وهوايته في الرسم علي الجسد العاري ورفض المجتمع لهذا النوع من الفن.

ووصلت تكلفته إلي 10 ملايين جنيه، وهناك كذلك فيلم (المسافر) للمخرج أحمد ماهر، وهو من إنتاج صندوق التنمية الثقافية وبإشراف مباشر من الناقد الكبير علي أبو شادي، وهو بطولة عمر الشريف وخالد النبوي وسيرين عبد النور، ووصلت تكلفته إلي 15 مليون جنيه، حيث تم بناء ديكور ضخم لسفينة تدور بداخلها معظم أحداث الفيلم.

الفيلم الأخير هو (هليوبوليس) الذي تكلف 8 ملايين جنيه، تأليف وإخراج أحمد عبد الله وبطولة خالد أبو النجا ويسرا اللوزي، وهو ينتمي لنوعية أفلام السينما المستقلة، وهو عبارة عن مجموعة من القصص التي تدور في ليلة واحدة في قلب مصر الجديدة.

إذن يدفعنا هذا الإنتاج الضخم إلى تساؤل مفاده : هل ثمة اتجاه ما ـ ربما يكون قويا و عاصفا ـ يحاول التشكّل داخل رحم السينما المصرية، و من ثم محاولة التكريس لنفسه كي يصبح مستقرا بالشكل الذي يسمح له في نهاية الأمر بتحديد ملامحه وإيضاحها في مواجهة غيره من الاتجاهات الفنية الأخرى؟.

من المؤكد أن إجابة نعم هي الأنسب، لاسيما عندما تقدم شركة مثل السبكي المعروفة بأعمالها التجارية، على تقديم نوعية أخرى من الأفلام مختلفة شكلا ومضمونا عما قدمته من قبل، سواء من حيث التكلفة أو عدد النجوم مثلما حدث في فيلمي (كباريه) و (الفرح) الذي يفجر مجموعة من الأحداث المهمة من خلال مجموعة من الشخصيات التي تحضر حفل زفاف شعبي في منطقة شعبية، وإعلانها عن تقديم فيلم ثالث على نفس النمط يحمل عنوان (الليلة الكبيرة) ويتناول عالم الموالد من خلال يوم يعيشه الأبطال في أحد الموالد الشعبية.

كذلك لا نستطيع تجاهل ظهور خطوات جادة للأمام في اتجاه استرداد صناعة السينما في مصر لقوتها، ولعل الأرقام توضح هذا ، حيث ارتفع عدد الأفلام التي سيتم إنتاجها خلال الفترة المقبلة من ناحية، إلى جانب التوسع في إقامة صالات العرض من ناحية أخرى، في الوقت الذي لا تتوقف فيه بلاتوهات الاستوديوهات عن العمل، ما ساهم في زيادة عدد الأفلام المقرر إنتاجها إلى 70 فيلما دفعة واحدة حتى نهاية 2009.

بينما لم تتمكن السينما المصرية من إنتاج سوى 27 فيلماً لا غير منذ سنوات قليلة، وإنتاج هذه الأفلام الجديدة بتكلفة تزيد أو تقترب من 20 مليون جنيه لكل فيلم تأكيد على نوعيتها ومقدرتها على جلب إيرادات، خصوصا مع حرصها على الاعتماد بشكل أساسي على أسماء نجوم كبار، فعادل إمام يواصل مسيرته من دون كلل أو ملل في فيلم (بوبوس) مستعيناً بتوليفة من الشباب الجدد.

ولكنه في الوقت نفسه لا يتخلى عن أبناء جيله، على الطرف الآخر يواصل نجوم الشباك من الجيل الحالي الاستعانة بكبار شباك تذاكر السينما المصرية في الماضي، واسطع مثال على هذا أحمد السقا الذي ظهر مع محمود يس في فيلم (الجزيرة) كما انه استعان بمحمود عبد العزيز هذا الموسم في (إبراهيم الأبيض)، كذلك استعان خالد يوسف بمحمود حميدة في فيلم (دكان شحاتة).

وتكرر نفس النجم في فيلم (احكي يا شهر زاد)، في حين خرج على هذا السياق أحمد حلمي بفيلمه (1000 مبروك) الذي استعان بوجوه جديدة أثبتت موهبتها، بينما يستعين كريم عبد العزيز بأحد أبناء جيل الوسط الموهوبين، شريف منير ومعه منى زكي، أما البطولة الجماعية فلها حضور في أكثر من فيلم من أهمها (الفرح)، وفي المنافسة أفلام (بدل فاقد) لأحمد عز و (السفاح) لهاني سلامة و (الرجل الغامض) لهاني رمزي، وربما يحقق أحد هذه الأفلام مفاجأة في الإيرادات أمام الكبار.

ويتبقى السؤال الأخير: هل تقف هوجة إنفلونزا الخنازير عائقا أمام موجة السينما المصرية الجديدة، أم سيكون هناك إعادة نظر في كل شيء؟.

من المعروف أن هناك ثلاثة خيارات تتم دراستها للتعامل مع الموقف، الأول عرض الأفلام الجديدة دون الانتظار لتداعيات الأزمة، والثاني أن يصاحب عرض الأفلام إجراءات وقائية كالكمامات، أما الخيار الثالث وهو إغلاق دور العرض فسيتم اللجوء إليه في حال تم فرض حظر على المواصلات العامة والجامعات وباقي التجمعات.

أما عن حجم الخسائر المتوقعة سينمائيا في حال الاضطرار إلى الخيار الثالث، يرى بعض المنتجين والموزعين انه دائما يجب وضع حسابات للأشياء الخارجة عن إرادتهم وهذا قدرهم، ولكنني كراصد ومتابع لما يحدث الآن في السينما المصرية، أتوقع أن ما ستخسره يمكن تعويضه لأن الجمهور سيقبل على مشاهدة هذه الأفلام عند عرضها بعد انتهاء الأزمة إذا تصاعدت وأصبحت وباء خطرا يهدد المشاهدين.

دبي - أسامة عسل