هاني شنودة اسم يعرفه الكثيرون، فهو من أهم الموسيقيين على مدى تاريخ الموسيقى والغناء في مصر، حيث تخرج على يديه عشرات المطربين مثل محمد منير وعمرو دياب وغيرهما من البارزين على الساحة الآن، كما كانت له تجارب جيدة في تكوين الفرق الموسيقية، ولا يزال جمهوره يتذكر له فرقة «المصريين» ومن بعدها فرقة «الأحلام»، ومن خلالهما خرجت للساحة مواهب فنية حقيقية.

وعلى الرغم من الدور الكبير الذي قام به الموسيقار الكبير، إلا أنه مازال يحلم بإنجازات جديدة في دعم الساحة الفنية بالمزيد من الوجوه المؤهلة للمنافسة على الساحة الممتلئة بالنجوم، وفي حوار مع شنودة امتد إلى قضايا عديدة على الساحة، تحدث كعادته بكل صراحة حول الماضي والحاضر والمستقبل بفكر عال، وخبرة تؤهله للحكم على الأمور من منظور أكاديمي، فكان لنا معه هذا اللقاء. * لك تجارب مميزة في إنشاء الفرق الموسيقية، فهل مازال لها نفس التأثير الذي كانت عليه سابقا؟

بالطبع، فإن لهذه الفرق دورًا كبيرًا في إحياء التراث وتطوير الغناء في مصر والعالم العربي، خاصة أنه يعج بالمواهب، وغير ذلك فإنه في مصر على سبيل المثال تتعدد أنواع الموسيقى فيها والنابعة من الأقاليم مثل الصعيد والوجه البحري، وموسيقى البدو في سيناء ومناطق النوبة، وحتى في المدن الساحلية، ولكل منطقة لونها الموسيقي الخاص، فممكن لهذه الفرق ضم الكثير من المواهب في كثير من المناطق، والاستفادة من هذا التراث الذي يضيف كثيرًا للموسيقى المصرية بصفة خاصة، والغناء العربي بصفة عامة، خاصة أن العالم يعتمد على فرق موسيقية تساعد على توظيف وبلورة هذه الأعمال.

بعد تفكيك فرقة المصريين ومن بعدها الأحلام، هل من الممكن أن تفكر في فرقة جديدة؟

يجب أن يدرك الجميع أن لكل زمن طبيعته، ثم إن أغلب الفرق في العالم تتفكك لأنك لن تضمن عضوًا يستمر معك مدى الحياة، وهذا يرجع إلى طموح الكثيرين من الشباب في الانطلاق بعد أن يكتسبوا الخبرات، ومن حقهم أن يثبتوا وجودهم في الوقت الذي يجدون فيه أنفسهم قادرين على الاستمرار بمفردهم، وأغلب أعضاء الفرق التي أسستها استشاروني قبل الخروج من الفرق، وكنت أساعدهم على الانطلاق إلى الأمام بمفردهم.

كيف تقيم تاريخ الفرق الموسيقية في مصر؟

أنا أسست فرقتي الأولى العام1977، وحققت نجاحًا كبيرًا، وبعدها كانت انطلاقة الكثير من الفرق التي زادت على 130 فرقة، وسجلت هذه الفرق في جمعية المؤلفين والملحنين، وكان من أبرزاها «الأصدقاء» و«النهار»، ومن خلال هذه الفرق صدرت مئات الألبومات بشكل جديد وموسيقى متطورة رائعة، وحتى الكلمات التي كانت تغنى من خلال هذه الفرق تتضمن مفردات جديدة وجيدة ومعبرة. كما قامت فرقي حينذاك بتقديم العديد من الأغنيات التي فرضت نفسها على الشارع المصري والعربي والتي استعملت فيها «الهارموني» بشكل جيد.

على الرغم من أن محمد منير يعتبر أحد تلاميذك، ولكن يكثر الجدل من آن لآخر عن علاقتك به؟

أولاً ما بيني وبين محمد منير شيء كبير جدا ولا يعلمه الكثيرون، ومنير على الرغم من أنه تخرج على يدي، إلا أنني أعتبره رفيق درب في مرحلة مهمة من حياتي منذ العام 1976، واستمرت علاقتنا لفترة طويلة حتى زيارتنا للسودان الناجحة العام 1985، والتي تعتبر تجربة جيدة ومفيدة، لأننا استطعنا بتفاهم كبير تقديم حفل مازال في الذاكرة إلى الآن، ومنير في رأيي أحد أهم المطربين العرب، وله أسلوبه ومدرسته الخاصة، وبالتالي ليس هناك ما يستدعي أن يحدث خلاف بيننا.

وماذا إذا طلب منك منير أو دياب الآن ألحانًا جديدة؟

هؤلاء أبنائي وأنا عندي ألحان كثيرة فإذا طلبوا ذلك بالفعل لن أتردد ولو للحظة، لأنني حريص على مسيرتهما الفنية واستمرار تفوقهما على الساحة، فعلاقتي بأبنائي مازالت مستمرة، وستظل، لأنهم يحترمون هذه العلاقة ويقدرونها ولن يستطيع أحد أن يوقع بيني وبين منير ودياب.

تميل دائمًا للغناء الغربي، وفي الوقت نفسه تبحث عن التراث ألا ترى تناقضًا؟

بالطبع لا، وهذا يرجع لكوني خريج كلية الموسيقى في منتصف الستينات، وبعدها التحقت بمعهد الكونسرفتوار، وكنت وقتها ضمن مجموعة من الموسيقيين الشباب نعزف المقطوعات الغربية، ولم نتوقف عند هذا الحد، بل خرجنا رغم إمكاناتنا الضئيلة حينذاك إلى دول عربية مثل سوريا ولبنان، وقدمنا تلك المقطوعات التي كنا نعزفها بحب شديد، خاصة أننا كنا معجبين بالأغاني الإيطالية والأسبانية والفرنسية والإنجليزية، ولذلك ظللت متأثرًا بهذه التجربة، خاصة في غياب فرق الجاز في مصر، أو نستطيع القول أنها قليلة مع أن هناك الكثيرين من روادها، ولكن بعدها قمنا بتأليف أغنيات عربية من بينها «اليومين» لمحمد منير، فوجدنا قبولاً واسعًا وكانت بداية شهرة محمد منير، وإذا نظرنا إلى أغاني منير منذ بداياته سوف تجد امتزاج «الموتيفات» الغربية مع التراث، ومن هنا جاء إبداع منير؛ فهل في الامتزاج هنا تناقض؟ أشك.

تغيبت كثيرًا عن تقديم الموسيقى التصويرية لأفلام مصرية؟

أنا لم أتغيب، ولكن هناك أعمالا كثيرة شغلتني عن بعض النشاطات، ورغم ذلك قمت بوضع الموسيقى التصويرية لفيلم بعنوان «فخفاخينو» من إخراج إبراهيم عفيفي، وأيضا قدمت لي بعض العروض لعمل الموسيقى التصويرية لأفلام أخرى، ولكن بعد قراءة النص ربما اعتذر أو أكون مشغولاً بأشياء متفق عليها تمنعني من القبول.

ما ملاحظاتك على الموسيقي المصري كعازف؟

نعم هناك ملاحظات بالرغم من الجهد والاندفاع الشبابي للانطلاق كعازفين أو موسيقيين، إلا أن الموسيقي العربي بصفة عامة والمصري بصفة خاصة ينقصه الطموح، لأن هناك الآلاف من الموهوبين الذين إذا وجدوا فرصهم سيفعلون الكثير جدًا، وغير ذلك فالاحتراف من أهم الوسائل لتطوير الموسيقى وتطوير أدواته كعازف، ولكن ازدحام الساحة لا يتيح لأغلبهم الاحتراف الكامل، ومن أجل لقمة العيش يلجأ بعضهم إلى الوظيفة ويمارس الموسيقى كهواية، ولذلك أرى أن تكوين فرق موسيقية عديدة سوف يتيح لكل هؤلاء الفرصة الجيدة للاحتراف، وتأمين الدخل الذي يساعدهم في مشوار حياتهم، وبالتالي في تطوير أدواتهم وتنمية مواهبهم بشكل احترافي أكبر.

هل الأغنيات الهابطة في المراحل الأخيرة دفعتك للعودة والاهتمام بالتراث؟

أولاً ليست المشكلة في الغناء الهابط ، لأن الهابط يردده الناس لفترة وسيسقط حتمًا، ولكن المشكلة هي أن هناك تأثرًا بالغناء الغربي، ولذلك العودة للتراث تعني العودة للجذور والرجوع إلى تقاليدنا وأعرافنا الاجتماعية، فهذا الجيل أصبح مطلعًا بشكل كبير على ما يبثه الإنترنت أو القنوات الفضائية وغيرها، ولذلك لابد من العودة إلى الجذور ونعيد أغنيات خالدة ومعبرة بقوة عن مجتمعنا، ولكن معنى ذلك لا يعني أنني ضد الجديد، وإذا وجدت الجديد الذي يعبر عن طموحاتنا وعن واقعنا فلن أتردد في تقديمه، ورغم ذلك إن أغنيات التراث لن تكون هي كل نشاطنا بل نقدم كل ما هو جديد ومفيد.