ليس من العيب أن تواصل الحياة الفنية العربية وتحديداً السينمائية منها البحث عن بديل للنجم أحمد زكي، وليس عيباً أيضاً أن نقول إن النجوم في دنيا السينما اليوم معظمهم في حالة انعدام وزن، ولأن مصر ولادة على الدوام وحتى فيما بعد عصر التنوير ونهضتها الأدبية والثقافية الشاملة في أول القرن الماضي،.

فإن عمرو سعد الشاب الذي برع في عدد من الأعمال السينمائية للمخرج (خالد يوسف) ومنها (خيانة مشروعة) و(حين ميسرة)، يطل علينا من خلال عمل جديد هو (دكان شحاتة).يؤكد عمرو سعد لنفسه قبل الجميع في هذا الفيلم أنه موهبة تعرف طريقها جيدا بعيدا عن المقارنة أو التشابه مع أحد، وأن نجوميته المستقبلية أمر أصبح وشيكا، فهو مشروع خاص جدا وكاريزما قريبة من الشارع بهمومه وأحلامه، يعرف جيدا على أي أرضيه يقف، ويعي ماذا يقول، خص «الحواس الخمس» بهذا اللقاء الذي نتعرف من خلاله على أفكاره وإلمامه بشخصية شحاتة، وفيما يلي تفاصيل الحوار..

ما الجديد في فيلم «دكان شحاتة» ويختلف به عن فيلم «حين ميسرة»؟

«دكان شحاتة» الإنسان وليس المكان، فإذا كانت تفاصيل المكان هي التي تم الاهتمام بها في «حين ميسرة»، فإن البشر ومكنونها وملامح الوجوه وأسرارها في رأيي أهم من العشوائيات التي أفرزت شخوص أراد دكان شحاتة أن يبرزها ويوضحها.

ويجب أن نوضح هنا أن العشوائيات تختلف عن الأماكن الشعبية، فالثانية لها نسق، أما الأولى فغير منضبطة وأفرزت ناسا لها سلوك عشوائي، ويوجد في العالم كله مثل هذه العشوائيات التي للأسف صدّرت العنف، وفي فيلمنا الجديد نتحدث عن هؤلاء لأول مرة، وشخصية شحاتة التي نتعرض لها تحمل قيما مصرية وعربية شديدة الإنسانية والتسامح، تسير في الحياة بلا مكان.

لماذا حملتم الفيلم دلالات سياسية أثقلت كاهله وأرهقت محوره الأساسي؟

أنا أختلف معك، الفيلم فيه نوع من الرصد السياسي وليس النقد، وكوننا نرصد ظواهر سياسية في المجتمع فليس هذا معناه أننا نقدم فيلما سياسيا، كل ما قدمناه عبارة عن ظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية على خلفية الأحداث، فالمخرج بدأ من عام مقتل السادات وانتهى بعام وما بينهما خاص على خلفيته عام.

وبالتالي نرى أن جميع شخصيات الفيلم ليس لها توجه سياسي، عدا الدكتور مؤنس الذي قال رسالة محددة ثم اختفى، ولا أنكر أن هناك رموزا واختصارا للشخصية المصرية وليس اختزالا، ولا يحمل الفيلم المعني الحرفي للدلالة السياسية، الموضوع واضح هناك ناس تحمل لافتة الإهمال، وعلى خلفيتها مصر كسبت بطولة أفريقيا، وآخرون حصلوا على جائزة نوبل، ثم الانتخابات، فالذي نتعرض له هم هؤلاء البشر وليس الأحداث التي تحمل الدلالات المعقدة لفكرة السياسية.

ولكن الإعلام ركز على هذه الدلالات وأبرزها.

ما أريد قوله رسالة محدده للإعلام، إذا كان أحدكم يمتلك الوعي ، فالجميع يمتلك الإحساس، وما اقصده أن الإعلام يرى الفيلم بعقل ما ليس هو موجود، ويبحث عن المدلول، والموضوع أبسط من ذلك، وليس به أي دلالات فهو يقدم وقائع حقيقية لآلاف البشر في خلفيتهم صوره للواقع المعاش بكل ما يحتويه ومنه الصورة السياسية، فالمصري الذي يذهب مثلا لمحل عصير قصب من المؤكد أن عينيه سترى ملصق لعضو مجلس شعب أو أي رمز سياسي معلق على الحائط، هذا هو ما قدمناه من دون تحريف.

حيث تظهر فوق رؤوسهم زينة رمضان، ويشاهدون مظاهرة، واعتصام قضاه، المجتمع أصبح شكله هكذا، وما يعتبره الإعلام صادما أراه واقعيا ومن مفردات حياتنا اليومية.

شخصية شحاتة في الفيلم رغم أنها تحمل صفات ومميزات رائعة وغير موجودة بالفعل في زماننا إلا أنها ظهرت سلبية لأقصى درجة ، كيف رأيت ذلك كممثل لها؟

دعني أختلف معك للمرة الثانية، شخصية شحاتة تحمل صفات مختفية ولكنها موجودة، و دعني أقول لو أنني الآن في هذا المكان الموجود به تعرضت لحادث، من المؤكد أن جميع العرب هنا سيهتم ويسأل عني، إذا الصفات التي اختفت نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، نظهرها في شحاتة بوضوح ونضعها على أرض الواقع، وهذه المفارقة في العمل، فهو غير واقعي ولا خيالي، هو نوع من الأفلام خلق شخصية شبه أسطورية ملحمية وضعها في عالم صعب شديد الواقعية.

وترك الآخرين يتعاملون معها، وبالتالي كانت النتيجة الحتمية هو القضاء عليها، لأنها خرجت عن النسق الموجود في الشارع، وهذه هي دعوة الفيلم، أما السلبية التي تقصدها فأرى أن شخصية شحاتة هي أكثر الشخصيات الإيجابية في تاريخ السينما المصرية، لأنه عندما أكون قويا .

وأقول أنا آسف فهذه من وجهة نظري إيجابية، أما عندما أكون قويا وأضربك فأنا سلبي، فنوع من الإيجابية الحقيقية أن شحاتة في الفيلم كان يملك القوة ولكنه لم يستخدمها، وللأسف أعتبرها البعض سلبية قياسيا على دراما البطل المنتقم، وليس بالقياس على إنسانية الإنسان.

وإذا كانت شخصية شحاتة إيجابية، ما هو مدلول قتله في نهاية الفيلم؟

من الصعب أن تجد نهاية أخرى غير التي رأيتها، فمؤلف الفيلم ناصر عبد الرحمن كان يقول دائما في جلسات العمل، أن رحلة شحاتة هي رحلة في الفناء بالمعنى الصوفي، فمن يتأمل الفيلم من أوله يدرك أن شحاتة ابن موت، من ساعة مولده، وقد كانت هناك علامات كثيرة توضح هذه الجزئية، وأن هذا ليس زمنه أو مكانه، وهذا التناقض مقصود وأكده المخرج لإحداث الصرخة التي توجع الناس وتحذرهم مما هو مقبل.

أتفق معك على هذه النهاية، فلماذا كانت الفوضى نهاية أخرى للفيلم؟

هذه وجهة نظر المخرج، وأستطيع أن أقول على لسانه وكان منطقه، إننا إذا قتلنا الطيبة أو التسامح فستتفشى الكراهية والعنف في أشكال فوضوية تعم المجتمع، وكأنه يوجه بعد الفيلم رسالة مفادها هذا هو شكلنا لو قضينا على آخر جزء بداخلنا حقيقي كبشر.

بعيدا عن كونك ممثلا وقريبا من إنسانيتك ، هل ترى أن المجتمع المصري متجه بقوة الى نهاية الفوضى التي حذر منها الفيلم؟

بالرغم من العنف الموجود حاليا في الشارع المصري، لكن لدي رهان على الشعب الذي تحمل آلاف السنيين من التعب والشقاء، وعبر عن ذلك بالنكتة و الضحكة أو الشجن، انه سينهض فجأة بالاعتماد على نفسه وليس طرف آخر.

وأن توحده كما كان في أزمات سابقة هو طوق النجاة الذي سيصل من خلاله إلى بر الأمان دون عنف أو فوضى، فالإيجابية في رأيي موجودة لكن الضغوط أكثر، والأزمة الحقيقية في الإنسان ونحن نعمل على استنهاض هممه ليعود كما كان.

يتهمك البعض بأنك ترتدي عباءة المخرج خالد يوسف؟

لم أقدم مع المخرج خالد يوسف سوى فيلمين فقط قبل فيلم (دكان شحاتة)، وبالتالي فأنا لا ألبس عباءته، كما أن هناك نجوما قدموا أفلاما عديدة مع مخرجين مثل عادل إمام قدم ستة أفلام متتالية مع شريف عرفة وكذلك أحمد زكي مع عاطف الطيب، فتكرار التعاون مع مخرج معين لا يعني أنني ألبس عباءته، وهناك حاليا فنانون يقدمون أفلاما مع مخرجين بعينهم ولا أحد يقول ذلك ومنهم أحمد عز مع المخرجة ساندرا.

هل ستبقى في دائرة المخرج خالد يوسف والمؤلف ناصر عبد الرحمن على اعتبار أن لكم مشروعا له ملامح وهدف، أم أنك ستتجاوز هذه المرحلة مع آخرين؟

لدي مشاريع أخرى مع طارق العريان وساندرا نشأت وداوود عبد السيد، لكن المشروع الأساسي الذي بدأ مع خالد وناصر وأصبح موضة في السينما المصرية، وهو العمل ضمن مجموعات متفاهمة ولها هم وفكر مشترك، لا يجعلني أترك كل ذلك فجأة، فالذي يعنيني هو التعبير عن رجل الشارع بكل همومه وآماله، لأنني قدمت من خلال هذا الشارع ورحلتي كانت ومازالت طويلة وشاقة.

وما الذي تفكر فيه الآن بعد (دكان شحاتة)؟

دائماً أفكر في الأفلام التي تعبر عن مصريتنا أو حتى عروبتنا، وهذا لا يمنع مسألة التنوع في الموضوعات وشرائح المجتمع، وإذا كان دكان شحاتة يعبر عن 80% من المصريين، فهناك شرائح أخري يمكن إظهارها وتقديمها.

أخيرا وفي كلمات موجزة من هو عمرو سعد؟

خريج كلية الفنون التطبيقية ـ قسم ديكور ـ انضم أثناء الدراسة لفريق المسرح بالجامعة، ومن فرط إحساسه بحب الفن كان أصدقاؤه بالجامعة يقولون له دائما: أنت طالع فيها ليه؟، ويجيبهم: أصل النجومية إحساس داخلي، ولكن في حقيقة الأمر رحلة الحياة بعد الجامعة كانت بالنسبة لي صعبة جدا، ويجب أن يكون لدى الشباب مجهود منظم حتى يستطيع أن يحقق ما يحلم به.

حوار ـ أسامة عسل