داعبت كرتها بإحساس هواية سكنتها مبكراً، وتقربت منها حتى أدمنت في ظلالها حالة مختلفة من العشق على غير ما يليق بطفلة ضمن ما يسمى بحدود العادات والتقاليد..

وبالكرة فقط استعاضت عن «باربي زمانها القديم»، وبثبات وإصرار لا تقهرهما طبيعتها الأنثوية؛ تشاركت مع زملائها الذكور أبناء «فريجها» في إمارة الشارقة، فوق عتبة واحدة من الإبداع الكروي الذي لايزال حتى الآن حكراً على مجتمع الذكور ، أما هي فنالت ثقة قيادة «أحرار فريجها»، وجميعهم من الذكور، محتفظة بمسمى كابتن الفريق منذ كانت في السابعة من عمرها وتحديداً أواخر ستينات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا لا تزال تتبوأ موقع الصدارة الكروية كأنثى.أمينة ثاني.. أول إماراتية تزاحم الرجال بل وتتفوق عليهم، وتقود فريقاً منهم أسمته «أحرار»، لتحترف معهم التعامل مع كرة القدم في ساحات «الفريج»، وذلك منذ كانت طفلة بريئة ولم تدخل المدرسة بعد، ومنذ ذلك الحين توالت بطولات أمينة الكروية وإنجازاتها التي لا تحصرها المسميات، وبذلك الواقع حظيت بمسمى «مارد الرياضة النسائية».

«الفريج» كما توضح أمينة ثاني، منح أبناءه الأولاد والبنات، روحاً عائلية مشتركة، حيث كانت تنافس زملاءها الذكور بمهارات كروية بطولية وقيادية، وذلك حينما كان اللعب يتم بين أزقة البيوت على التراب وبلا أحذية.

وهو ما قوبل في البداية برفض عائلي من قبل أسرة أمينة، التي قوبلت بالضرب والصراخ أكثر من مرة، وهذا الواقع لم يثنِ هذه الفتاة حينها عن مواصلة حلمها الكروي البعيد، لا سيما وأنها برزت كطفلة بين زملائها الذكور «لاعبة محترفة في كرة القدم»، وكانت تملك العديد من الكرات، تبيت معها وتداعبها بقدميها وروحها، إلى درجة عشق لم تبلغها أنثى من قبل.

في الفريج، الجميع يعرف أمينة وينتظر مشاهدتها تتألق في التعامل مع الكرة بين زملائها، كيف لا وهي التي تمسك بمقود فريقها الطفولي البريء مستكشفة به عالماً آخر من الإبداع الكروي، ومواصلة حالة من الإبداع والقيادة والإصرار الطفولي الأنثوي وسط كم الذكور، فالرياضة كانت ولا تزال حالة عشق لا تتكرر، وهي ظلت تتفق مع الأولاد بعشق الرياضة على اختلاف أشكالها.

أما كرة القدم فقد أكسبتها قوة وإرادة، ومن محيطها تشبعت بالحنان والأخوة، وهي كانت الفتاة الوحيدة في فريق الكرة، والجميع كان يجلس ليتابع إبداع «أمينة وبس» الطفولي المفعم بحس الكرة والطموح، وسط ملامح قاسية من العيش، حيث اللعب بلا أحذية فوق التراب، يؤدي غالباً إلى جروح وإصابات كثيرة.

ذلك الواقع على الرغم من صعوبته لم يثنِ أمينة عن مواصلة حلمها الكروي اللا محدود، ففي بيتها كانت تحتفظ بكرات عديدة، قدم وطائرة وسلة وغيرها، تبقيها إلى جانبها حينما تأكل أو تنام أو تذاكر دروسها..

ومثلما فرضت عليها ظروف وواقع فريجها حينما تكشفت لديها مهارات كروية ولم تجد أمامها سوى كرة قدم ذكورية، انتقلت أمينة إلى المدرسة ولم تجد هناك كرة قدم للبنات، فاضطرت لصقل موهبتها المتنامية على شكل آخر تماشياً مع الواقع الجديد، وسريعاً كان لها نصيب الأسد من الإبداع الكروي الأنثوي في مجال كرة الطائرة، من واقع كابتن الفريق في مختلف المواقع التي تلت المدرسة.

المدرسة هي المتغير الثاني الذي وجدته أمينة في حياتها الكروية بعد الفريج، وهذه المؤسسة كانت تعني كل شي بالنسبة للمجتمع، وكانت بمثابة الملتقى الاجتماعي كما الجمعيات والنوادي حالياً، فالمدارس تربي وتعلم، وهناك تعززت ثقة أمينة في الإبداع الكروي والقيادة، فكانت المرشدة والقائدة للفريق تحت سن 14 سنة، وهي كما تقول اختارت اللعب مع الأولاد في الفريج، لأن مستوى البنات لم يكن يرضيها.

ومثلما فعلت أمينة في الفريج وفي المدرسة.. أبدعت أيضاً في نادي الفتيات بالشارقة، وتألقت كذلك في الفرق الرياضية المختلفة في جامعة الإمارات، بل إنها تركت من وراء دراستها منتخباً صارماً في كرة الطائرة، قادراً على مواجهة جميع المنتخبات الخليجية بثقة واقتدار كبيرين، مؤكدة أنها تمكنت من تأسيس فرق رياضية أنثوية في ألعاب الطائرة والسلة والقدم.

وفي أواخر التسعينات تمكنت أمينة ثاني من الإمساك بزمام اللجنة الرياضية في جامعة الإمارات، وذلك الوقت كانت الطالبات يعتبرن من الجيل الذهبي، حيث المشاركة في الألعاب بالمئات، والجمهور يفوق ألف طالبة في أي لعبة.

تخرجت أمينة ثاني من جامعة الإمارات، وجلست في البيت ثلاث سنوات، على أمل وإصرار واحد، وهو العمل في حقل رياضي، وليس في تخصصها في الإعلام والدراسات الاجتماعية، حيث تعلق قلبها وعقلها بالكرة فأرادتها مستقبلاً تصنع منه رياضيي الغد.

وبعد ثلاثة أعوام حققت أمينة حلمها المنتظر، وعملت بوظيفة مسؤولة أنشطة رياضية في وزارة التربية والتعليم، وعينها مشدودة نحو إمارات الدولة ، حيث الرؤية الوطنية الهادفة لصناعة أجيال كروية تتابع في رفع الإنجازات.

وبمجرد دخولها هذا المجال الوظيفي، تمكنت من إدخال كرة القدم للمرة الأولى للطالبات على مستوى مدارس الدولة، ناهيك عن إبداعات أخرى لا حصر لها، فهي التي أنشأت الفرق الرياضية النسائية في نادي فتيات الشارقة، وجامعة الإمارات، وفرق أخرى في نادي سيدات عجمان التحقت أخيراً بمظلة نادي عجمان الرياضي.

وتستعد أمينة لافتتاح مركز التنس في عجمان، وهو المركز الأول على مستوى الدولة، كما تتولى مهمة تدريب فتيات وأطفال صغار من مختلف إمارات الدولة على أمل أن تعيد للرياضة الإماراتية ثقتها الذهبية التي تعاني من الإهمال والتشتت .

وترى أمينة أن الطالب الرياضي مظلوم، لان الأندية تكتشف المواهب متأخرة، وفي مدارسنا عشرات الآلاف من الطلبة، فقط مئات منهم في الأندية، والباقون خارج حسابات الرياضة، والواجب علينا تغذية الجسد الطلابي بالرياضة، وهي أساس لبناء جيل قويم، وللأسف فإن وزارة التربية وهيئة الشباب والرياضة، أخذتا جيل الطلبة إلى حافة الانجراف والضياع بسبب الإهمال الرياضي.

الرياضة لكي تكون مجدية لابد أن تظل ممتعة، والمتعة تأتي من المكافأة، لذلك فإن أمينة ثاني صاحبة الحلم الرياضي المبدع والمختلف، تأخذ على عاتقها تحدياً مختلفاً، وهو إعادة جيل الطلبة إلى عصر رياضي ذهبي خلال 3 سنوات فقط، ولديها القدرة الكافية لأداء هذه المهمة.

وهي تتأسف على خروجها من وزارة التربية بسبب نقل تعسفي، وتتمنى أن تعود لتمنح المجتمع المدرسي بعضاً من خبراتها الكبيرة والمختلفة، علها تنقذ جيلاً رياضياً يكون دعامة قوية للمنتخبات الإماراتية في مختلف الألعاب، إذ أن الواقع يشير إلى تدني متواصل في المستوى الرياضي بالمدارس، لا سيما بعد إلغاء الرياضة في رياض الأطفال، وتدريسها بهدف المتعة على مستوى مناطق تعليمية.

وتضيف: مدارسنا تعاني من مظاهر سلبية مؤلمة، والرياضة وقاية مطلقة لكثير من السلبيات، فضرب الكرة تفريغ، وما ضعفت الأنشطة الرياضية أضحى الجيل في فراغ خطير، وللأسف نحن من حرم أطفالنا من روح التنافس والالتزام والوطنية، وبالتالي وضعناهم على حافة الانجراف.

و.تختتم: امنحوني ثلاثة أعوام فقط لأعيد صياغة جيل رياضي، ربما يوصل دولة الإمارات إلى العالمية، ويعيد الى الرياضة الإماراتية مجدها الذهبي، حيث أن الإبداع والاحتراف لا يبدآن من النادي، بل من المدرسة، وتحديداً يبدآن مبكراً في عمر السنوات الأولى.. وبالعودة إلى ماضي أمينة وبداياتها الكروية، تجد للفكرة أحقية.

دبي ـ عنان كتانة