يعتبر فيلم «إبراهيم الأبيض» خطوة حقيقية باتجاه تطوير الصورة في أفلام الحركة فهو الأنضج حسب تصور النقاد في السينما المصرية، وهو الأكثر اكتمالا مقارنة بهذا النوع من أفلام الأكشن الذي أنتجته السينما العربية، كما أن أبطاله احمد السقا ومحمود عبد العزيز وعمرو واكد وهند صبري وسوسن بدر وحنان ترك قدموا أدوارهم بشكل متميز، وبقدرات فنية رائعة ستبقى عالقة في الأذهان، وفيما يلي نلقى الضوء على بعض هذه الإبداعات..
«عبد المالك زرزور» تاجر المخدرات الذي تمرد عليه إبراهيم، وحاول التلاعب به أمر رجاله بقتل إبراهيم وحرقه بمساعدة حورية التي قبلت الزواج منه رغم فارق العمر بينهما على ألا يلمسها طوال فترة زواجهما إلا برضاها، ويقبل الملك شرط الطفلة التي تربت على يديه إلى أن أصبحت امرأة بالغة الأنوثة يشتهيها في كل لحظة، لكن حالته الصحية لا تساعده إلا على الانصياع لشرط حورية فيتزوجها ولكن على عهدهما أن ينفصلا جسدياً.شخصية عبد الملك زرزور أداها الفنان محمود عبد العزيز الذي أثبت من خلال خوضه هذه التجربة أن الفنان الحقيقي يظل متجدداً دائماً في عطائه وأسلوبه الفني مهما كان ابتعاد الجيل الذي ينتمي له عن مراتب البطولة المطلقة في دور يضيف نقطة تميز إلى حصيلة إنتاجه السينمائي الكبير.
وليس غريباً على هذا الفنان أن يبتكر ملامح خاصة أقرب ما تكون لمارلون براندو في فيلم الأب الروحي، فالمشاهد تدرب على أداء ثابت في الأفلام المصرية القديمة لشخصية البلطجي وتاجر المخدرات من خلال أفلام صلاح أبو سيف وحسن الإمام جسدها كبار الممثلين كمحمود المليجي وفريد شوقي وغيرهما، وأصبحت «أكلاشيه» ثابتا في معظم الأفلام التي قدموها، بل اتخذوا شهرتهم من خلالها، لكن الملامح الجديدة والأداء المبتكر الذي انفرد به محمود عبد العزيز في تجسيده لهذا الدور بالتحديد يضعه في مصاف النجوم الملقبين بصناع الشخصيات أو النجوم أصحاب المدارس الفنية.
شخصية أخرى من شخصيات الفيلم تستحق أن نتوقف عند أدائها.. (عشري) صديق إبراهيم المقرب وجسد دوره الفنان عمرو واكد وهو مفاجأة الفيلم الثانية، الذي أكد من خلالها أنه فنان لايزال يحمل الكثير من الطاقات الفنية التي لم يستغلها المخرجون بعد..
فعمرو واكد فنان واع جداً بإلمامه بكل مفردات شخصيته وأبسط تفاصيلها من نبرة الصوت إلى حركات اليد ونظرة العين. هذا الاهتمام انعكس بشكل إيجابي على تطوير أدائه الفني في كل دور سينمائي يقدمه رغم أن رصيده السينمائي محدود، لكننا لا نلمس أي تشابه بين الأدوار التي قدمها.. أما عشري فهي الانطلاقة الحقيقية لعمرو واكد والتي يؤكد بها قدراته في مشاركة أحمد السقا بطولة الفيلم..
فالاثنان أبطال للفيلم ومستحيل أن نصنف دور عمرو واكد بالدور الثاني المكمل لشخصية البطل.. فهو بهذا الدور نجم منفرد لا ينقصه سوى ثقة المنتجين ولعبة الحظ التي تضعه على خارطة الصف الأول بين نجوم السينما بالرغم من عدم قيامه بدور البطولة المطلقة إلا قليلا في أعمال سابقة كفيلم «جنينة الأسماك» .
وهو بذلك لايزال مادة خاما تحتاج لمثمن حقيقي ومخرج واعٍ لينفض عنها الغبار ويقدمها بالشكل الساحر الذي يستحقه أداء نجم مثل عمرو واكد.
عشري صاحب إبراهيم هو الآخر بلطجي وقاتل، لكنه أقل شجاعة ويمثل أيضاً مصدر حماية لإبراهيم.. هذا النموذج المتكرر كثيراً في الأفلام المصرية فنرى البطل دائماً شجيع السيما يفتك بأسطول من الرجال، بينما تابعه لابد أن ينقصه قوة وشجاعة، وإلا كيف سيتفرد البطل بدور البطولة.. عشري يهوى إبراهيم إلى حد الطاعة العمياء والإخلاص المفرط، ولكن مثل أي مبدأ يمكن أن يهتز وينكسر إخلاص عشري أمام ضغوط المال ويوشي بصديقه ويسلمه لأعدائه ليكون في النهاية مصيرهما الموت معاً طعناً بالسلاح الأبيض وسط مظاهرة شعبية من فتوات الحي ضد إبراهيم الأبيض.
أما النجم أحمد السقا والذي يؤدي شخصية (إيراهيم الأبيض) باقتدار، ذاع صيته بأدائه السينمائي العنيف لأدوار لم تكن صدفة، بل إنها جميعاً تنتمي لروح الأكشن وأداء الحركات الخطرة أحيانًا كالقفز من أعلى أسوار مصر القديمة أو التعذيب حرقاً، وهي من الحركات التي من المعروف عن السقا أدائها بنفسه دون الاستعانة بدوبلير، مدهش أن يحب الفنان عمله إلى حد التهور والتركيز على أقل تفاصيله ومتابعته الأولية لكل خطوة في العمل، ولكن هل كان يستحق الفيلم كل هذه المخاطرة التي تعرض لها السقا في إبراهيم الأبيض؟..
لا يمكن أن ننكر مجهود السقا في هذا الفيلم من مجهود بدني أفرط في تقديمه إلى حد المبالغة التي جعلتنا نفلت مسار الأحداث لطول لقطات المعارك التي انتصر فيها البطل بالتأكيد، وهذا هو المجهود الوحيد الذي بذله السقا في الفيلم، والذي استعرض به قواه، فتفوقت طاقته البدنية على طاقته التمثيلية التي سقطت منه سهوًا منذ المشهد الأول فظل راكضاً طوال الأحداث وأعيننا خلفه.
طغى التمثيل البدني عند أحمد السقا على التمثيل الأدائي ونسي أنه ممثل في المقام الأول وليس بطلاً في الركض أمام تجار المخدرات وأفراد الشرطة.. لو أضفنا إلى ذلك ضعف السيناريو وأخطاءه الفنية العديدة التي لا تخفى حتى عن المشاهد العادي بذلك يظل فيلم «إبراهيم الأبيض» صورة فنية وسينمائية ناقصة لا تحتوي على سيناريو قوي ولكن على أداء تمثيلي متميز وواضح لشخصيات حملت على كاهلها عبء نجاح الفيلم.
القاهرة: دار الإعلام العربية

