الإقامة في الولايات المتحدة الأميركية، هو الحلم الأميركي المروج لدى كثيرين في أنحاء العالم، والذي تتحقق به الطموحات أو تنهار على أعتاب فشله كل الآمال، بمعنى إما أن تكون أميركياً أو لا تكون ، هذا ما يتناوله مضمون فيلم (العبور ـ crossing over) ، حيث يسلط الضوء على معاناة عشاق هذا الحلم، في وثيقة سينمائية قاسية ومعبرة.
الفيلم سيناريو وإخراج وين كرامر المولود في جنوب إفريقيا 1965، ويعد من المخرجين المنتمين لمدرسة «سينما المؤلف» التي تعتمد على كتابة سيناريوهات أفلام مخرجيها، والذي قدم حتى الآن خمسة أفلام كتبها وأخرجها منذ بداية التسعينات.يبتعد الفيلم عن سمات السينما الأميركية من حيث ضخامة الإنتاج والإبهار البصري والسمعي، معتمداً ومركزاً في المقام الأول على الأداء التمثيلي لأدوار تم كتابتها بعناية فائقة حول ثلاث شخصيات، يجمعهم طبيعة عملهم في مركز توقيف الملاحقين لمخالفتهم قوانين الإقامة بالولايات المتحدة الأميركية، «ماكس» هاريسون فورد و«دينيس» أشلي جاد و«حميد» كليف كيرتس، يقوم «ماكس» في بداية الفيلم بمهمة كُلف بها كشرطي يلاحق المخالفين لشروط الإقامة في أحد مصانع الملابس، وتبدو على ملامحه علامات الأسى والإشفاق على هؤلاء المخالفين من المصير الذي سيلاقونه فور القبض عليهم، ومن بينهم فتاة مكسيكية تتوسل إليه أن يعاونها في إعادة طفلها إلى ذويها في المكسيك وتصبح هذه هي قضية ماكس بعد ذلك.
أما «دينيس» فهي تقيم مع زوجها «كول» راي ليوتا الموظف المرتشي صاحب العلاقة السيئة مع فتاة أسترالية، يبتزها لكي يمنحها إقامة غير شرعية بالولايات المتحدة الأميركية، وفي نفس الوقت لها علاقة أخرى بشاب يهودي ملحد يحاول جاهداً أن يحفظ تعاليم دينه وكيفية أداء صلواته حتى ينال عملا مرموقا، ترتدي «دينيس» قلادة ذهبية أيقونتها قارة إفريقيا .
والتي لها دلالتها مع الأحداث، نرى نفس ملامح الأسى التي كانت على وجه «ماكس» أثناء ملاحقته للمخالفين تبدو جاثمة على وجهها وهي تقوم باقتحام منزل «تسليما»ـ الممثلة سعودية الأصل سمر بيشيل ـ فتاة مسلمة من أسرة بنجلاديشية وأسرتها مكونة من أب وأم وابنتين وابن إذ لا تنطبق قوانين الإقامة عليها، تتطور الأحداث وصولاً إلى مشهد بالمطار يتعرض لحالتين مختلفتين من المغادرة الإجبارية للفتاة الأسترالية ولالاتسليمالالا مع الأم دون وداع الأب لكي لا يلاحق مثل أبنته مودعين بعضهما في صمت بأداء تمثيلي يبقى عالقاً في الأذهان.
ونأتي إلى حميد المسلم ذو الأصول الأسيوية، يعمل شرطياً مع «ماكس» ومقيم مع أسرته ووالده الذي سيحصل على الجنسية الأميركية قريباً، ولديه أخت محور اشمئزاز أفراد الأسرة جميعها نتيجة لعلاقتها المشينة مع عشيقها، مثيرة بذلك قضية الشرف المسلوب للعائلة من منظور إسلامي ولكن بعيون أميركية، تتكشف تطورات وأبعاد هذه العلاقة من خلال مشهد مراسم أداء الأب قسم الولاء للولايات المتحدة الأميركية بعد منحه الجنسية هو وآخرين.
تتواكب كادرات كاميرا تصوير الفيلم مع أحداثه، إذ قدمت عدة مشاهد خارجية عامة على مدار الفيلم مستخدماَ زاوية واسعة من أعلى المدينة مستعرضة تقاطع طرقها وجسورها، دون تحديد لبداياتها ونهاياتها تلتقي أحياناً وتتوازى أحيان أخرى، مكونة شبكة عنكبوتيه من علاقات الأشخاص الذي يسيرون على هذه الطرق يومياً.
وهذا ما يفسره ملصق الفيلم المكون من صورة لشبكة الطرق والجسور، بعضها مظلل بخطوط حمراء والآخر بخطوط بيضاء في إشارة إلى من مسموح لهم بالعبور ومن يحظر عليهم البقاء في الولايات المتحدة، وجاءت حركة الكاميرا في المشاهد الداخلية هادئة تعتمد على كادرات قريبه جدا لإظهار وقع المعاناة على الملاحقين ومن يلاحقهم.
ينتهي الفيلم من حيث بدأ بمشهد اقتحام أحد المصانع لملاحقة المخالفين لقوانين الإقامة في حركة بطيئة ل(ماكس) تعكس مدى تململه من هذه الملهاة الإنسانية، يتبعه بعد ذلك مشهد عام لمنفذ حدودي بين أميركا والمكسيك حيث تقف عشرات السيارات تحمل داخلها مئات القصص في انتظار السماح لهم بالعبور لتبدأ رحلة المعاناة مجدداً، ولكن في صور أشخاص آخرين.
دبي ـ أسامة عسل

