الأغنية الشعبية هي الأغنية التي يرددها الشعب ويستوعبها وتصدر عن وجدانه وتعبر عن آماله، وتتسم ببساطة التأليف واللحن وتلقائية التعبير ووضوح المعنى، ولكن اليوم تغير هذا المفهوم لتتحول إلى صراع وفي بعض الأحيان شتائم، لتضيع معاني الأغنية الشعبية بين زحام موجة الأغاني الهابطة.

ولأن المطرب هو المتهم الرئيسي في تدهور الأغنية الشعبية، يرفض المطرب سعد الصغير اتهامه بأنه أحد أسباب انحدار الأغنية الشعبية وقال: لم أقدم طوال حياتي الفنية أغنية هابطة، بل كانت كل الأغاني محترمة، وإذا كنت تلمح إلى أغنية «بحبك يا حمار» والتي تمت مهاجمتها بشراسة فان لهذه الأغنية طبيعة خاصة، لأنها كانت ضمن أحداث فيلم كوميدي وكان لها موقف يدعو إلى غنائها، حيث كنا مقيدين وقام الحمار بفك قيودنا ولهذا غنيت له هذه الأغنية، أما فيما عدا هذه الأغنية فلا يوجد في قاموس أغنياتي أي أغنية هابطة. يضيف الصغير: مع كامل احترامي لكلام النقاد فإن الجمهور هو الحكم الأول والأخير لأي عمل فني، ولك أن تحكم بنفسك كم النجاح الذي ألاقيه في أي حفل أو فرح أذهب إليه، ومعنى هذا أن أغنياتي تنجح ويحبها الناس وإلا ما طلبوني للغناء في حفلاتهم وأفراحهم.

الرأي نفسه يتبناه المطرب الشعبي عمدة الذي قال غاضبا: لما كل هذه الضجة التي تثار من وقت لآخر حول الأغاني الشعبية، فكل وقت وله أغنياته وله طريقة غنائه وكما نقول في مصر «كل وقت وله آذان»..

موضحا أن الجمهور الآن لن يتقبل أن يخرج إليهم مطرب على المسرح وهو يرتدي بذلة كاملة بكرافتة ووراءه فرقته الموسيقية ليغني كما كان يفعل عبد الحليم حافظ أو أم كلثوم، فالزمن تغير وبالتالي صاحب هذا التغير تغير في الكلمات وفي الألحان وفي كل شيء، والأغاني الشعبية التي يقوم بغنائها المطربون حاليا ما هي إلا انعكاس لحالة المجتمع والموضوعات التي يتحدث عنها الشارع حاليا.

عمالقة الغناء

أضاف عمدة: لا أعلم سببا مقنعا للهجوم على أغنياتنا حاليا، فإذا كانوا يقولون على أغاني زمان إنها أغاني زمن الفن الجميل، وأريد أن أقول لمن يتهجمون على الأغنية الشعبية أن أغنية مثل «السح الدح امبو» لأحمد عدويه، حققت نجاحا كبيرا وقتها ومازال الشارع يرددها حتى وقتنا هذا ، كما أن عبدالحليم حافظ غنى في إحدى الحفلات الخاصة أغنية عدوية «السح الدح أمبو» بينما غنى عدوية أغنية عبدالحليم «خسارة فراقك يا جارة»، وهذه أكبر شهادة اعتراف وتقدير بالأغنية الشعبية من عملاقين بحجم عدوية وحليم.

ترويح عن النفس

الفنان أحمد «عدوية» يعتبر من أشهر رواد الأغنية الشعبية بمصر منذ سبعينيات القرن العشرين إلى اليوم، وكانت أغنياته مثل «بنت السلطان»، فيلاالسح الدح أمبو» نقطة تحول كبيرة في سوق الأغنية في مصر والوطن العربي..

سألنا عدوية عن حال الأغنية الشعبية الآن مقارنة بما مضى، فرد قائلا: إن الأغنية الشعبية تتعرض الآن لحرب شرسة من مغمورين ودخلاء عليها، معربا عن استيائه الشديد مما يُغنى في الساحة الفنية، خاصة في مجال الأغاني الشعبية، وأشار إلى أن هناك أصوات نكرة تدعي أنها ممثلة للفن الشعبي والموال؛ بينما أصواتها عشوائية.. ومع ذلك تظل الأغنية الشعبية صامدة.

هذا الصمود يرجعه عدويه إلى أن الأغنية الشعبية أحد مميزاتها أنها نابعة من وجدان المجتمع وهى خير تعبير عن همومه وآماله، مستطردا: نشأت في حارة شعبية، وكل الأغاني التي قدمتها نابعة من الشعب، الأمر الذي جعلها تصل ببساطة إلى قلوب الناس الذين ملوا أغاني الهجر والحب والعشق، ويريدون أن يستمعوا إلى أغانٍ تتكلم بلغتهم وتنطق بأحاسيسهم.

تواكب العصر

الفنان حكيم هو الآخر أحد المعنيين بالأمر، وعندما سألناه عن حال الأغنية الشعبية قديما وحديثا، قال إنكم تتحدثون عن مطربين شعبيين في زمن مضى، والآن لا تتناسب أغنياتهم ومواويلهم مع العصر الحالي، وهى حققت بالفعل نجاحات كبيرة قبل 50 أو 60 عامًا. فعلى سبيل المثال مواويل محمد طه التي حققت نجاحا كاسحا في أربعينيات القرن العشرين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتناسب مع روح العصر الذي يتسم بالسرعة والإبهار.

ورفض حكيم تعميم الانتقادات التي توجه للأغنية الشعبية على جميع المطربين، موضحا أنه إذا كانت هناك أعمال هابطة فإنه في المقابل هناك مطربون يقدمون أعمالا تتواكب وروح العصر.. واستطرد قائلا: أحاول تقديم اللون الشعبي بطريقة جذابة تواكب العصر والشارع في النهاية هو الموجه للأغنية الشعبية.

واقع مأساوي

وعن أسباب اختفاء رواد الأغنية الشعبية أمام طوفان الأغاني الجديدة.. قال الناقد على الشناوي، إن انتشار الفضائيات وتزاحم الساحة الغنائية بكل من هب ودب وتغير ذوق الجمهور أدى إلى تراجع الأصوات الجيدة وسار على نفس النهج الشعراء والملحنون الذين لم يستطيعوا التوافق مع الموجة الجديدة.

ليس معنى ذلك - كما يقول الشناوي - إن عصر الطرب الجميل انتهى للأبد؛ لكن هناك أصوات جادة من المطربين الشباب يحاولون النهوض بالأغنية الشعبية أمام موجة الأغاني الهابطة من عينة العنب والخوخ والطماطم والخيار، وسوف ينجحون لأنه، على حد تعبيره، لا يصح إلا الصحيح، في إشارة إلى التاريخ الكبير للأغنية الشعبية والتي تغنت بها أم كلثوم من كلمات بيرم التونسي حينما قالت «قول لي ولا تخبيش يا زين.. إيش تقول العين للعين»، كما غنى عبدالحليم «على حسب وداد قلبي»، وغنت فايزة أحمد «يامه القمر ع الباب» وصباح «الغاوي ينقط بطاقيته»..

وأوضح الشناوي أن هذه الأغنيات امتازت ببساطتها دون إسفاف، وانتشارها بين جميع فئات الشعب، ولعبت دورا مهما في إدخال البهجة على صدور الناس.

3 أجيال

مرت الأغنية الشعبية بثلاثة أجيال، بداية من محمد طه، محمد عبدالمطلب، عبدالعزيز حمودة، وعبدالعزيز محمود، ومرورا بجيل محمد العزبي، محمد رشدي، شفيق جلال، وأحمد عدوية، وصولا إلى جيلنا الحالي الذي يضم أسماء عديدة منها شعبان عبدالرحيم، حسن الأسمر، علي حميدة، طارق الشيخ، عبدالباسط حمودة، سعد الصغير، عمدة، بهاء سلطان، عماد بعرور، عصام كاريكا وريكو وحمادة هلال.

القاهرة - دار الإعلام العربية