يبدو أن حالة التدهور والانحدار التي يعيشها الوسط الفني حالياً ستظل تلقي بظلالها على كل ماله علاقة بالوسط الفني ولاسيما الأغاني وكلماتها، فبعدما كان كبار المطربين من أمثال محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وأم كلثوم يتغزلون في محبوبهم ويصفون ساعات اللقاء بينهم وكيف أنهم ينتظرون هذه اللقاءات ليصفوا للمحبوب لحظات الشوق التي مرت بهم..

اتجه مطربو هذا الجيل لتقديم أغنيات تحمل بين طياتها كلمات تحمل أكثر من معنى وأكثر من مضمون تحت مسمى أنها «أفيه» فتجد تامر حسني يغني ويقول «خليها تاكلك» وتجد دوللي شاهين تغني وتقول «لازم يقف»، بعد أن كان عبدالعزيز محمود يغني .ويقول «شباك حبيبي يا خشب الورد» وأحمد عدويه يقول «زحمة يا دنيا زحمة» جاء مطربو العهد الجديد ليغنوا عن الحشيش والبانجو قبل أن تتحول أغنياتهم إلى صراع وفي بعض الأحيان شتائم وحوارات بين العبد والشيطان ما يجعلنا نتساءل: كيف وصل بنا الحال لتصل الأغنية الشعبية إلى هذا المستوى، وما الفرق بين مطربي هذه الأغنيات قديماً وفي وقتنا الراهن، وأين رواد الأغاني الشعبية مما هو موجود على الساحة؟

شكل جديد

المتابع للساحة الغنائية خلال الفترة الماضية سيجد أن الأغنية الشعبية قد أخذت شكلاً جديداً بداية بظهور شعبان عبدالرحيم الذي أدخل مفهوم الأغاني السياسية للأغنية الشعبية، وقد حققت ألبوماته الأولى والتي حملت أغنيات «أنا بكره إسرائيل» و«هابطل السجاير» مبيعات عالية شجعت الكثيرين من مطربي الأغنية الشعبية انتهاج نهجه إلا أنهم فشلوا جميعاً في ذلك نظراً لعدم وجود قائد لهم، ليتجهوا إلى اتجاه آخر .

وهي نوعية الأغاني التي تحمل موسيقى راقصة يتم تركيب أي كلمات عليها وذلك حتى يضمن المطرب أن أغنيته ستحظى بإذاعتها في الأفراح الشعبية وعلى أجهزة «الدي جي»، وكان قائد هذه المرحلة سعد الصغير والذي حقق نجاحاً كبيراً عقب عرض أول أغنياته بطريقة الفيديو كليب والتي حملت سخرية وإهانه لحزب الوفد، أشهر حزب معارض في مصر، من خلال ترديد شعار «سعد.. سعد... يحيا سعد» ليتحول الصغير من بعدها ليغني للعنب والبلح والحمار.

أغاني للأفراح فقط

عقب الشهرة التي حققها سعد الصغير في هذا الاتجاه، بدأت موجة جديدة من الأغاني تظهر للشارع العربي وتسير على مبدأ «هجص.. هجص.. يا عم الحاج»، حيث ظهرت أغاني لا تحمل أي كلمات وإنما تركز فقط على الموسيقى الصاخبة ونغمات المقسوم العالية والمبالغ فيها والتي تصلح للأفراح فقط، وقاد هذه الموجة عماد بعرور ومحمود الحسيني ومحمود الليثي والذين سعوا جميعاً لسحب البساط من تحت أقدام زملائهم شعبان والصغير خاصة مع ارتفاع أجور المطربين الشعبيين في الأفراح والحفلات.

العبد والشيطان

لم يسعد هؤلاء المطربين بسيطرتهم على الساحة الغنائية الشعبية، حيث ظهرت موجة أخرى جديدة بدأت في الظهور وتحمل مضمون الوعظ والإرشاد للمواطن فواحد ينقل حواراً بين العبد والشيطان، وآخر يدعو الناس للصلاة، وثالث يدعو مطربات الفيديو كليب إلى الاحترام والاحتشام، لتصبح الأغنية الشعبية بعد ذلك تسير على المثل المصري الشهير «سمك... لبن... تمر هندي» وهي ثلاثة أشياء لا علاقة لبعضها ببعض.

مهزلة غنائية

تعليقاً على المستوى المتدني الذي وصلت إليه الأغنية الشعبية، يؤكد الموسيقار حلمي بكر أن «كل من هب ودب»، على حد تعبيره، أصبح مطرباً بين عشية وضحاها وبعد أن كنا نستمع ونستمتع بأغاني تحمل بين طياتها كلمات مثل «وعشق الروح مالوش آخر لكن عشق الجسد فاني» أصبحنا نستمع إلى كلمات مثل «الواد ده عاجبني لونه مش جسمه وبنطلونه» أو «يا للي وسطك وسط كمانجه عودك مرسوم ع السنجة»، وبعد اعتراضنا علي أغنية مثل «سلامتها أم حسن» وجدنا أغاني تقول «كوز المحبة أتخرم».

ويستطرد بكر قائلاً: لم تقف المهازل الغنائية عند هذا الحد بل امتدت لتتحدث عن البانجو والحشيش والمواد المخدرة، فسمعنا أغنيات تقول «البانجو مش بتاعي والله برئ يا بك الذنب ذنب أصحابي هما اللي رموني عليه» و«أنا شارب سيجارة بني وحاسس إن دماغي بتاكلني»، ناهيك طبعاً عن رقص المطربين والمطربات «كالعوالم» في الحفلات، فبعدما كنا نرى محمد رشدي ومحمد قنديل يقفوا على المسرح في وقار وهم يرتدون ملابس محترمة، أصبحنا نجد البعض يصعد على المسرح ليرقص وهو يرتدي ملابس تجعله أشبه بالأراجوز على خشبة المسرح.

وعن سبب عدم تدخل الرقابة في وقف مثل هذه الأغنيات والتي تساهم في انحطاط الذوق العام وتدهور الأغنية الشعبية العربية بشكل عام، قال بكر: المشكلة ليست في الرقابة ولكنها في المستمعين الذين اختلفت أذواقهم ومتطلباتهم بعد الانفتاح الاقتصادي، موضحاً أن الرقابة أوقفت منذ عام أو أكثر أغنية «احضني قوي» لتامر حسني لوجود بعض الإيحاءات بها، كما أوقفت عدداً من الأغنيات لمطربات أمثال دوللي شاهين ورولا سعد خلال الفترة الماضية لنفس السبب، وهذا يبين أن الرقابة موجودة، ولكنه يكون من الصعب الوصول إلى الأغاني التي يتم غناؤها في الأفراح أو تلك التي يتم تسجيلها في استوديوهات بير السلم.

وعن المخرج من هذا الانحطاط الذي تشهده الأغنية الشعبية بصفة خاصة والأغنية بصفة عامة يقول بكر: الطريقة الوحيدة للخروج من ذلك هو تحسن ذوق الجمهور، لأن الجمهور هو المشجع لمثل هذه الأغاني الهابطة، إضافة طبعاً إلى ضرورة وجود مطربين حقيقيين يقدمون كلمات راقية وألحان جيدة ويكون لديهم خامات صوتية عالية مثل محمد رشدي ومحمد قنديل، حتى يعيدوا للأغنية الشعبية المعنى الذي يقال عنها وهي أنها نبض الشارع وتعبر عن حال الجماهير، وهو بالطبع ما لا يحدث حالياً من خلال هذه الأغاني.

الأغاني السياسية

الشاعر إسلام خليل مؤلف كل الأغاني التي غناها المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم يقول: حاولت منذ تعرفي على شعبان أن أرتقي بذوقه في الأغاني التي يقوم بغنائها، فابتكرت موضوع الأغاني السياسية ومتابعة ما يجري في مصر والوطن العربي من خلال الأحداث الجارية على الساحة المصرية والعربية وتقديم ذلك في أغنيات، فقدمت لشعبان أغنيات عن حرب العراق ومناصرة الشعب العراقي، وأغنية أخرى عن فلسطين، وثالثة عن الاقتتال بين كتائب فتح وحماس.

ورابعة عن أزمة دارفور في السودان، إلى جانب تركيزي على القضايا التي تهم الشارع المصري والعربي من خلال كلماتي، فمثلاً ناقشت موضوع التطبيع مع إسرائيل من خلال أغنية «أنا بكره إسرائيل» ودعوت الجمهور إلى الابتعاد عن التدخين لما له من أضرار من خلال أغنية «هابطل السجاير وأكون إنسان جديد ومن أول يناير خلاص ها شيل حديد».

التدهور الذي وصلت إليه الأغنية الشعبية سببه الرئيسي، والكلام لخليل، هو محاولة التقليد الأعمى للاغاني، والسير على قاعدة «خالف تعرف» والتي وجد الجميع بها طريقة سهلة للنجاح والشهرة وحصد الأموال من خلال الغناء في الأفراح والحفلات، خاصة إذا كانت الأغنية بها بعض الكلمات الغريبة وجاء غنائها بطريقة مبتذلة.

لكن الصورة ليست قاتمة تماماً، فكما يؤكد الشاعر إسلام خليل، هناك أغاني جيدة تحاول أن تجد لنفسها مساحة على الساحة وسط الأغاني السائدة ومنها مثلاً على سبيل المثال أغنية «أنا مش عارفني» والتي غناها عبدالباسط حمودة والتي تقول كلماتها «أنا مش عارفني... أنا تهت مني... أنا مش أنا... لا دي ملامحي... ولا شكلي.. شكلي.... ولا ده أنا»، فهذه الأغنية تحمل كلمات جيدة وتم وضع موسيقى جيدة لها، ويبقى في النهاية رأي الجمهور الذي يرفع هذا المطرب وأغنيته إلى عنان السماء أو يضرب بهما عرض الحائط.