بعد أكثر من عشرين عاماً من تخرجه من معهد السينما في موسكو، ينظر باسل الخطيب إلى تلك السنوات بعين ناقدة، يفرح للنجاحات التي حققها خلالها، ويتوقف ملياً عند الإخفاقات والأخطاء والسلبيات فيها. فتجربته كما يقول لم تكتمل.

وما زال في حالة بحث وقلق عن (ماذا بعد). إلا أنه يبدو مطمئناً تجاه استحقاق حقيقي لتجربته الفنية ظهر في تنوع تجاربه الفنية، فما من تجربة خاضها تشبه الأخرى، وفي تنوع تجربته الفنية كان يجد دائماً الفرصة لمزيد من التأمل الحالم والحليم، بحثاً عن الجديد والمختلف. ولعل هذا ما خرج ليبحث عنه في مصر من خلال تجربتين إخراجيتين (ناصر) و(أدهم الشرقاوي) اللذان يقوم اليوم بعمليات المونتاج لهما، بعد أن أنهى تصوير آخر مشاهده في سوريا.«الحواس الخمس» التقت باسل الخطيب في دمشق لتقف معه على واقع تجربته المصرية وما تتحقق فيها، فكان الحوار التالي:عامان يمران وأنت بعيد عن الإنتاج الدرامي السوري، ولا أجدك قلقاً لهذا الغياب، فهل تعول على رصيدك الدرامي الكبير عند المشاهد السوري؟

في العام الماضي عرض مسلسل (ناصر) على شاشة التلفزيون السوري، ونال متابعة لا بأس بها في سوريا، لكنها بالتأكيد لم تبلغ حد متابعة أي عمل سوري.

بكل الأحوال أظن أن رصيد ما أنجزته خلال السنوات الفائتة مازال موجودا عند الناس، وأستطيع أن أتلمس ذلك عند الناس الذين التقي بهم في الشارع وفي الأماكن العامة ويسألونني عن جديدي.

وعموما هذا الأمر لا يقلقني على الإطلاق، بل على العكس أنا أعرف، وسبق طرحت ذلك في أكثر من مناسبة، أنني مهما عملت وأينما اشتغلت يبقى العمل في الدراما السورية بمثابة الساحة التي نتحرك فيها بحرية، وبحماسة واندفاع شديدين، ما أريد أؤكده أن غيابي مؤقت وهذا لا يعني أني ابتعدت أو أفكر بالابتعاد عن الدراما السورية.

عملك لعامين متتاليين في مصر، ألم يبعدك عن المنافسة مع المخرجين السوريين؟

سبق وقلت أنا ابتعد عن المنافسة مع أي أحد، يوجد في سوريا مخرجون متميزون، ولكن بالنسبة لي فإن منافستي الرئيسية والوحيدة هي مع نفسي، وفي كل تجربة أسعى لكي أقدم شيئاً أفضل مما قدمته من قبل من خلال تقديم اقتراحات جديدة على مستوى المضمون والشكل الفني وعلى مستوى كل العناصر الفنية الأخرى.

يرى البعض أن ذهابك إلى مصر لإخراج مسلسل (ناصر) فوت عليك استثمار النجاح الكبير الذي حققه مسلسلك (رسائل الحب والحرب) منذ عامين في الدراما السورية..

ربما لم يكن مسلسل (ناصر) عملاً جماهيرياً بالمطلق، ولكنه حقق العمل المطلوب، لنكون صريحين مع بعضنا، أعتقد أنه لا يمكن لتجربة أحد يعمل في الوسط الفني، ولاسيما المخرج، أن تظل تجري بخط بياني تصاعدي، بمعنى أنها تمر بمحطات ينجح فيها عمله ويصل الذروة وفي محطات أخرى يكون النجاح أقل، وفي محطات ثالثة يخفق فيها..وهذا ما أراه من طبيعة الأمور والحياة والتجربة الفنية..ولكن ذلك كله في النهاية يجعل الواحد منا في حالة تقويم مستمر للتجربة بكل ما فيها من نقاط سلبية وإيجابية، وهذا ما أفعله.

ماذا عن تجربتك الثانية (أدهم الشرقاوي)، وكيف تراها اليوم وقد انتهيت من التصوير وتعكف على عمليات مونتاج المسلسل؟

هي بالتأكيد أفضل من تجربة مسلسل (ناصر)، وتتجاوز مسألة خصوصيته كدراما تتناول سيرة زعيم سياسي كبير تحتاج بالضرورة لمتابعة خاصة لا تتناسب كثيراً مع مناخ المشاهدة في رمضان. أما في (أدهم الشرقاوي) فنحن أمام حكاية شعبية فيها كل عناصر التشويق المطلوبة في الدراما التلفزيونية. وأؤكد لك أني راض عن المستوى الفني للعملين. ولكننا في (أدهم الشرقاوي) حققنا خطوة إلى الأمام عن تجربة (ناصر).

في التجربتين أسندت دور البطولة إلى نجم شاب، فلماذا تتعمد الاختيار على هذا النحو؟

في التجربتين سواء كان مجدي كامل في (ناصر) أو محمد رجب في (ادهم الشرقاوي)، كنت حريصاً أن أنتقي أشخاصاً لا يكونون مستهلكين في التلفزيون، ولا تكون إطلالتهم على الشاشة الصغيرة (محروقة)، إضافة إلى حماستهم لخوض التجربة وهذا الشيء تحقق سواء مع مجدي كامل أو محمد رجب.

محمد رجب نجم سينمائي في مصر، وتجاربه قليلة جداً، وهو ينتقي التجارب بعناية ويعرف أن التلفزيون مغامرة كبيرة وبناء على نتائج هذه المغامرة يتحدد كثير من الأمور تتعلق بوضعه كممثل وبمستقبله المهني، وأعتقد أن محمد رجب كان خياراً جيداً جدا، وقد أقبل الفنان الشاب على التجربة بمنتهى الحماس، وبمنتهى الولاء والتفاني وعند العرض سترون نتائج هذا الشيء.

عدة سمات تميز تجربتك وتجربة المخرج حاتم علي عن سواكما من المخرجين السوريين الذين عملوا في مصر، فكلاكما تخلى عن المفهوم السائد في الدراما المصرية باعتمادها على دراما النجم-المكرس؟

هذه الظاهرة بدأ الناس هناك يعيدون التفكير فيها، وقد اكتشفوا أنه ليس بالضرورة أن يكون هناك نجم لتضمن نجاح المسلسل. ولعل في النتائج التي انتهت إليها المسلسلات التي اعتمدت على أبطال نجوم في رمضان الفائت، وعدم قدرتها على تحقيق النجاح المطلوب، ما دفع الناس للوصول إلى قناعة بأن نجاح العمل ليس مرتبطاً بالنجم وحده، وإنما يتحقق بتوفر مجموعة عناصر منها النص الجيد والمخرج الجيد والممثلين والشرط الإنتاجي.

هل تعتبر بدء المصريون بالالتفات إلى تلك القناعة، هو بصمتك في الدراما المصرية؟

بالتأكيد واعتقد أنه من خلال حوارات كثيرة مع زملاء مخرجين ومنتجين تكتشف وصولهم إلى هذه القناعة، وقد أصبحت الدراما السورية مرجعية لهم بهذه القناعة، فهم يتابعون أعمالاً سورية فيها نجوم، ولكن حضورهم ليس معيار النجاح الوحيد، فالمعيار الرئيسي هو النص والمخرج، لأنهما ضمانة نجاح المسلسل، واعتقد أنهم في مصر الآن يعيدون النظر في هذه التركيبة الإنتاجية التي كانوا يشتغلون بموجبها.

إلى أي حد يتقاطع باسل الخطيب كمخرج في الدراما السورية مع باسل المخرج في الدراما المصرية؟

هو المخرج باسل الخطيب في كلتا الحالتين، فبالنسبة لي العمل الفني واحد سواء كان في سوريا أو في مصر أو في الكويت أو في الأردن، لأن الذهنية التي أتعامل بموجبها مع التجربة هي ذهنية واحدة والإحساس بالمسؤولية تجاه التجربة هو ذاته، ولا علاقة له بجغرافيا المكان الذي يتم فيها تنفيذ المسلسل.

لطالما أعلنت رغبتك بخوض تجارب سينمائية، واعتقد أن دخولك إلى الساحة الفنية المصرية يفترض أن يجعلك قريبا من تنفيذ هذه التجارب، فأين أنت من السينما؟

في حال وافقت على التجربة السينمائية في مصر فهي بالتأكيد لابد أن تكون تجربة مختلفة من ناحية المضمون، ولاسيما أننا نعرف أن التجارب الجادة في السينما المصرية قليلة جدا وتسعين بالمئة مما يقدم في السينما المصرية هي تجارب ذات طابع تجاري، وأنا أريد أن اشتغل ضمن العشرة بالمئة المتبقية.

لقد عرض علي مشروعان سينمائيان، وأبديت موافقتي عليهما، ولكنني بانتظار الوقت المناسب للتنفيذ، لأن الأولوية بالنسبة لي للعام المقبل هو تنفيذ مسلسلي ومشروعي الدرامي عن القدس، فهو مسلسل كبير جد، مؤلف من جزءين، وهذا يعني أنه سيأخذ قسماً كبيراً من العام المقبل.

بعد (أدهم الشرقاوي) ما هي مشاريعك الفنية المقبلة؟

بين يدي نص تلفزيوني لفتح الله عمر، يؤرخ لفترة مهمة من تاريخ لبنان الحديث تحديدات العام 1982، الاجتياح الإسرائيلي ولغاية حرب 2006 أقوم الآن بقراءته وهو من إنتاج قناة المنار.

وهو عمل مهم سنتناوله على ثلاثة أجزاء، فضلاً عن التحضير لتنفيذ مسلسل عن القدس الذي يفترض أن أبدأ تصويره فور انتهاء شهر رمضان المقبل. وان شاء الله العام المقبل سيكون هناك فيلم سينمائي من تأليفي اشتغل عليه الآن، وغالبا ستكون المؤسسة العامة للسينما في سورية هي الطرف الرئيسي في إنتاجه.

دمشق - ماهر منصور