اجتهد المخرج خالد يوسف وصناع فيلمه الجديد دكان شحاتة في رسم ملامح مصر خلال الثلاثين عاما الأخيرة، والتي شهدت أحداثا ومنعطفات كثيرة وخطيرة، وتحولات سياسية واجتماعية تركت بصمات سلبية على مختلف الأصعدة في الشارع المصري، منذرا بفوضى يمكن أن تجتاح البراءة والتسامح وتخلط الحابل بالنابل، ما يهدد بعنف يكتسح الأخضر واليابس في كل مكان، وينهي الأمان في عصر الفساد المتوحش والصادم لكل ما هو مسكوت عنه.
يبدأ الفيلم بعام 2013، وفي لقطات مركزة ومنتقاة وسريعة يعود بتترات العمل وكأنها شريط توثيقي، راصدا من خلال مانشيتات وعناوين الجرائد، موت الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات واغتيال الشيخ أحمد ياسين وحصار غزة وسقوط بغداد وحادثة عبارة السلام وحادث قطار الصعيد وحريق بني سويف وانهيار الاتحاد السوفييتي واعتقالات سبتمبر واغتيال الرئيس السادات وحلف اليمين للرئيس مبارك في بداية تولية للرئاسة وتصريحاته بأنه لن يبقى في الحكم سوى فترتين فقط.وكأنه بهذه المقدمة يؤرخ ويتصفح التاريخ من الأحدث إلى الأقدم، تاركا الواقع المكتوب مصحوبا بموسيقا تصويرية للمبدع يحيى الموجي.
والتي استطاعت أن تتواءم مع طبيعة ما هو معروض، خصوصا مشهد سرقة قطار البضائع المحمل بالقمح والمار بـ (حي الشرابية)، ومع كاميرا مدير التصوير أيمن أبو المكارم تعكس اللقطات ما وصل إليه المواطنون من ترد في الأحوال بسبب أزمة رغيف العيش والتي يعبر عنها هذا المشهد بصورة لا تحتاج إلى تعليق.وبأسلوب الفلاش باك يعود بنا المؤلف ناصر عبد الرحمن خطوة وراء أخرى، حتى نصل إلى البداية وهي اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، والذي تزامن مع مولد شحاتة (عمرو سعد)، فمع غياب الأول ولد الثاني الذي هو رمز للأمل والقيم المصرية الأصيلة كما سيكشف عنه الفيلم فيما بعد.
محور القصة هو شخصية شحاتة، يولد يتيما، حيث ماتت أمه لحظة ولادته وكانت الزوجة الثانية للأب الذي يوجد لديه بالفعل ولدان و ابنة من زوجة سابقة ـ لتبدأ قصة (النبي يوسف) من جديدـ أو هكذا يوحي السرد الدرامي للأحداث.
الأب البواب والجنايني الفقير (محمود حميدة)، الذي أدى دورا من أروع أدواره، يقرب الصغير الطيب الذي صار ابنه المفضل، ويتشرب الصغير من الأب الصعيدي قيم الوفاء والأخلاق فينشأ رقيقا رغم قوته، محبا لإخوته رغم كراهيتهم له، ويترعرع وهو يشاهد على حائط البيت المتواضع صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
يعمل الأب لدى رجل يساري من أبناء الباشاوات (عبد العزيز مخيون) ويرتبط معه بصداقة فقد تربيا سويا، ويتنازل اليساري عن جزء من حديقة فيلته لصديقة البواب فيزرع جزءا منها، ويحول الباقي إلى دكان صغير يبيع فيه ما يزرعه من فاكهة وأطلق عليه اسم ولده شحاتة.
ومع نمو الصغير تتزايد الشروخ على مستوى الأسرة الصغيرة فتتوحش الكراهية في نفس الأخوين غير الشقيقين تجاهه و تزداد الفوارق الطبقية داخل المجتمع، ويتصاعد التطرف، و تلتهب الأسعار و تتوالى الكوارث على المنطقة. غزو العراق، غزو لبنان، ضرب الأراضي الفلسطينية ـ وهنا يقدم المخرج لقطة لها مغزى عندما طلب الأب من ابنه شحاتة، وضع صورة عبد الناصر على الشرخ الواضح على حائط الحجرة كي يغطيه، فأجاب الابن بأن الشرخ أكبر من أن تغطيه الصورة.
وتأخذنا الكاميرا لعالم آخر حيث سائقي الميكروباص والبلطجية الذين يأخذون الكارتة يلعب الدور باقتدار عمرو عبد الجليل «كرم غباوة» الذي يتحدث بكلمات غير مكتملة والأمثال الشعبية لديه معكوسة مما يثير الضحكات ولقب بغباوة لأنه لا يفهم أي شيء سوى حصوله على الإتاوة من السائقين.
ووسط هذه الأجواء القاتمة يولد حب شحاتة للفتاة الجميلة بيسة (هيفاء وهبي)، ومن جانبها تبادله الحب، فبدت هذه المرأة وكأنها مصر ذاتها تحن إلى قيمها وتريد العودة إلى أحضان تلك القيم و الذوبان فيها، وفي الوقت ذاته كانت عيون الأخ الانتهازي اللص سالم (محمد كريم) علي بيسة يريد تحين الفرصة للانقضاض عليها وانتزاعها من أخيه.
وجاءت الفرصة بوفاة الأب واستيلاء الأخوة غير الأشقاء على الميراث كله، وتلفيق قضية تزوير لشحاتة و إلقائه في غياهب السجن، وبيع الدكان ضمن القصر ليصبح مقرا لسفارة أجنبية، في إيحاء واضح بأنها السفارة الإسرائيلية.
خرج شحاتة من سجنه عام2013، ليشاهد الناس وهي تتقاتل في الشوارع على رغيف الخبز، في رؤية متشائمة لمستقبل مصر القريب.
ثم كانت المفاجأة القاسية لشحاتة باستيلاء أخيه على حبيبته وزواجه منها، ورغم ذلك يصر شحاتة على الغفران ومد يده بالحب إلى أخويه، إلا أن سالم يقتله بالرصاص، وعندما يأتي (بلطجية الشوارع) للثأر له يصرخ شحاتة في زعيمهم و هو يلفظ أنفاسه: دول أخواتي يا ابن الكلب، ويموت شحاتة بين ذراعي أخيه طلب (صبري فواز) وهو يستنشق في جلبابه رائحة أبيه، متناسيا الظلم والجفاء.
ماتت القيم و عاش الأوغاد و انهارت هيفاء ـ أو مصر كما أرادها المخرج.
على جثته تبكيه بالدموع، ثم تتوالى مشاهد النهاية الدامية، أصحاب لحاه يجبرون الفتيات على ارتداء الحجاب، وتكسير وتحطيم وتخريب في كل الأمكنة، وظهور للعربات المصفحة والدبابات في الشوارع، في مواجهة ثورة الغضب والقهر واغتصاب الحقوق وبركان الكبت الذي انفجر ولا يمكن لملمة أشلائه.
شهد فيلم دكان شحاتة تميزا واضحا في المؤثرات الصوتية المستخدمة والديكور لحامد حمدان، كما تم استخدام أغاني وأشعار جمال بخيت وإبراهيم عبد الفتاح وغناها أحمد سعد، كخلفية للتعليق على الأحداث، ولكنها كانت أكثر من اللازم وأثقلت كاهل الدراما، فصناعة الملحمة الشعبية تحتاج لما هو أكثر من شريط شديد الطول لدرجة الملل مليء بأغاني النواح.
وما هو أكثر من نقش الشكل الخارجي لشخصية منتصر التي لعبها النجم أحمد زكي في فيلم (الهروب) أحد أهم الملاحم الشعبية في السينما المصرية، فمنتصر الذي اعتقد المخرج خالد يوسف والممثل عمرو سعد أنه مجرد (كوفيه وشارب وفانلة صوف) قد ارتكب جريمتي التزوير والقتل، ولكن الجمهور تعاطف معه لما مسّه من قيم الانتماء والنخوة.
بينما لم يقدم شحاتة للمشاهد ما يؤهله ليصبح بطلا شعبيا أو حتى بطلا عاديا، فلا يوجد ما يبرر خنوعه الكامل لسلطة شقيقيه وتطاولهما الدائم عليه رغم علمه بالمخالفات التي يقومان بها داخل الدكّان، ولا يمكن أن نبرر له تنازله عن حق والده الذي سُرق ماله ولوّثت سمعته بينما ابنه (البطل) مستمر في السكوت.
ثم نأتي للطامة الكبرى ـ أقصد ـ (هيفاء وهبي)، بطلة الملحمة الشعبية التي تجسد فيها دورا يرمز لمصر، والتي قورنت بشخصيات سابقة منها محسنة توفيق (بهية) في فيلم العصفور وشادية (فؤادة) في فيلم شيء من الخوف لتتحول إلى (بيسة)، والاسم وحده كاف ليدل عن مدى تردي الشخصية، التي كل مؤهلاتها هي جاذبيتها وما تملكه من عناصر إثارة، ويكفي مشهد نزولها للمولد بتنورة قصيرة وركوبها مرجيحة، ليتجمع كل حاضري المولد لمشاهدة ما يتعرى منها، هذا بخلاف استعراض رقصتها التي امتدت لعدة دقائق أبرزت الكاميرا من خلالها مفاتنها وتضاريسها.
ويبقى القول: إن بساطة القصة كانت يمكن أن تصنع فيلما إنسانيا رائعا، لكن الصوت السياسي المباشر والعالي جدا جعل من السينما ضيفا خفيفا في العمل بينما السياسي هو البطل، خاصة أن صورة جمال عبد الناصر واستعراض فترة رئاسة مبارك وثائقيا من خلال الصحف ولافتات الانتخابات الرئاسية والرشاوى وبلطجية الانتخابات وغيرها تبدو مقحمة على العمل مقصودة لقول جملة سياسية، وهو ما لا يمكن رفضه، لكن يمكن الاختلاف حول طريقة صنعه، بحيث يتسرب العمل الفني إلى الوجدان وليس إلى العقل فقط.
دبي- أسامة عسل


