أصبح شبه عادة أن تثير أعمال تلميذ يوسف شاهين الانتقادات حول مشاهدها الجريئة وأفكارها المحظورة، وفيلم «دكان شحاتة» للمخرج خالد يوسف هو عمل سياسي بالمعنى الدلالي والرمزي، ورؤية المخرج هنا للمستقبل إذا صدق تخوفه وقتلت الطيبة داخل الناس سيكون المقابل انعدام الأمن ونزول الدبابات إلى الشوارع ومزيد من المواجهات والتخريب والدمار والدماء وعدم الأمان.

«دكان شحاتة» هو الفيلم الثامن لمخرجه خالد يوسف، والثالث له مع السيناريست ناصر عبد الرحمن بعد «هي فوضى»، و«حين ميسرة»، وتُشكل هذه الأعمال ملامح ثلاثية يفضل إعادة ترتيبها لتبدأ بالدكان مرورا ب«حين ميسرة»، لينتهي الأمر بالفوضى، والحقيقة الواضحة في الأفلام الثلاثة هي تلك النهايات التي تكاد تكون واحدة، حيث يخرج الجوعى والرعاع والمظاليم ويأتون على الأخضر واليابس، بينما يحيط بهم من بعيد رجال الأمن.وتمثل الأماكن التي اختارها الثنائي للأحداث في الأفلام الثلاثة مصر بطريقة ما، إذ تدور الأحداث في فيلم «هي فوضى» في حي شبرا الشعبي بالقاهرة، بينما أحداث «حين ميسرة» تتحرك في حي عشوائي، وتتخذ أحداث «دكان شحاتة» من حي المعادي الراقي محلا لها، لتغلق بذلك كل الأبواب على الجميع في إشارة إلى أن الفوضى آتية من كل الجهات، ولن تبقي ولن تذر، هي إذن ثلاثية الضوء الأحمر في التحذير من الفساد والظلم الاجتماعي والإهمال.

وإذا كانت رسالة فيلم «دكان شحاتة» لم تختلف كثيراً عن رسالة فيلم «حين ميسرة» لنفس فريق العمل تقريبا، إلا أنها جاءت هذه المرة «ناعمة» بالمعاني الإنسانية، التي تتسرب إلي تحت الجلد.

وربما قصة العائلة الصعيدية، التي من المفترض أن تكون الأكثر تمسكا بالمبادئ، بين فئات المجتمع، والتي أصابها ما أصاب بقية الشرائح من أمراض الأنانية والفساد، كان لها الدور الكبير في ذلك التأثير «الناعم» علي الرسالة الفنية للفيلم.

وطبقا لاختياراته السياسية المعلنة في أكثر من مجال فإن خالد يوسف يواجه نظاما سياسيا مرفوضا نظريا وعمليا، وطبقا لأفلامه فإنه يعمل من جلباب النظام محذرا إياه من مغبة استمرار الفاسدين في فسادهم والسياسات الظالمة في ظلمها، وإلا حدثت الفوضى، فهو يخشى على الوطن منها، ويمعن في التحذير بثلاثة أفلام، يبدأ أقدمها تاريخيا عام 1980.

وهو العام الذي ولد فيه شحاتة (بطل الفيلم الثالث إنتاجا) ويصطحبه والده إلى القاهرة، التي يعمل لدى ابن لإقطاعي سابق فيها، ويضم الأب ابنه الرابع إلى ثلاثة من زوجة هاربة، ويعيشون في حديقة فيلا ابن الباشا الذي يهبهم فيما بعد (دكانا) لبيع الفاكهة، ويتحول هذا الدكان فيما بعد إلى موضوع للصراع بين أبناء الزوجة الهاربة والابن الأقرب إلى (رام) في فيلم المهاجر، أو سيدنا يوسف عليه السلام الذي اضطهد من قبل إخوته، وتكتمل دوافع الصراع، إذ يخطف أحد الأخوة خطيبة شحاتة (هيفاء وهبي) ويتزوجها بعد أن يتآمر الإخوة على تلفيق تهمة لأخيهم ويتم إبعاده.

ورغم ما يحيط بالفيلم من جدل شكلي إلا أن جرأة كاتبه ومخرجه، ورصيد كل منهما، جعل من إقدامهما على خطوة صناعة فيلم سينمائي تدور أحداثه في مجتمع صعيدي بالقاهرة، بل ويبدأ من الصعيد نفسه، تحسب لهما بعد أن دأب صناع السينما في مصر على اختيار مواقع التصوير السياحية قبل كتابة السيناريو، وهو ما شكل حالة زائفة وخادعة أُضيفت إلى رصيد الزيف، الذي خلفته موجة الكوميديا التي سبقتها قبل وقوع النجوم في غرام الأكشن والعنف المفرط بالدماء.

واختيار دور البطل ثم بناء سيناريوهات مهلهلة عليه، وفضلا عن ذلك فإن تحليلا اجتماعيا ووعيا دقيقا بحياة الصعيدي يتجلى واضحا وإن بدا الوعي السياسي والاجتماعي غالبا ومباشرا بشكل جعل الفيلم يثير الجدل معه أو ضده، وإن تسربت الدموع من العيون في بعض المشاهد الميلودرامية القاسية، وهو ما يؤكد اكتشاف (خالد وناصر) لتابوه مصري رابع، أو عنصر جذب جديد ألا وهو الحزن الذي يعرفان جيدا أنه جزء أصيل من طبيعة ومعدن الشعب المصري.