ليس شرطاً أن تعتمد متعة السينما على فكرة معقدة، أوصورة فلسفية متعالية على الجمهور، فأصعب أنواع الفنون هي أبسطها، لأنها تصل مباشرة إلى القلب، قبل أن يتعامل معها العقل بمنطق القبول أو الرفض، وتالياً، فإن أفلام من هذا النوع، تستطيع أن تصمد في وجه الزمن، لأنها تخاطب البشر في كل العصور.

من بين هذه الأعمال الجميلة التي تعتمد على لغة السهل الممتنع في كل شيء، نتوقف أمام فيلم (فندق الكلاب) Hotel for Dogs إنتاج عام 2009 إخراج تور فرويدنتال، الذي سبق أن نال فيلمه الروائي القصير (موتيل) Motel عام 2005 جائزة أفضل فيلم من مهرجان أميركا للفنون الكوميدية، ومع فيلمه الروائي الطويل (فندق الكلاب) يثبت فرويدنتال في كل لقطة أنه فنان موهوب، يمتلك حساً فنياً عالياً،حيث يتعامل مع كوميديا الصورة بفكر ورؤية.تكلفت ميزانية الفيلم 25 مليون دولار، وبلغت أرباحه على المستوى العالمي حوالي 102 مليون دولار حتى الآن، وهو مأخوذ عن رواية بالاسم ذاته، صدرت في عام 1971 للكاتب والروائي الأميركي المعاصر لويس دانكان، وكتب السيناريو لها الثلاثي جيف لويل وروبرت شولي ومارك كوركل.

تتناول أحداث الفيلم حياة الفتاة الجميلة أندي (إيما روبرتس) التي تبلغ من العمر ستة عشر عاماً، تبدو في مقتبل العمر وتحتاج إلى من يكون مسؤولاً عنها، ولو لسنوات قليلة، لكن هذا ليس متوفراً بكل أسف، لأنها هي المسؤولة عن شقيقها الأصغر بروس (جاك تي.

أوستن)، فالاثنان يتيمان منذ سنوات طويلة، ويتولى الرجل الحنون الأسمر بيرني (دون شيادل) موظف الخدمة الاجتماعية، توفير مسكن لهما معا ليقيما عند عائلات تتولى رعايتهما.

وتكمن مشكلة أندي وبروس في أنهما لا يمكثان طويلاً مع أحد، ليس بسبب شقاوتهما، وإنما لما يتمتعان به من شخصية مستقلة وقوة إرادة واستقبال الحياة ببساطة، والتعاون الدائم معا كفريق واحد رغم فارق العمر بينهما، وتقوم نظرية كل منهما ببساطة على فكرة التكافل والتواصل الإنساني والإخلاص سواء بين بعضهما، أو بينهما وبين كلبهما الصغير المرح المخرِّب كالعادة (فرايدي)، الذي وظفه المخرج ليكون دليلنا في التعرف علي الشقيقين (أندي وبروس).

حيث يرفضه الزوجان الموسيقيان العصبيان والمتحجران لويس (ليزا كودرو) وكارل (كيفن ديلون)، اللذين يستضيفان الشقيقين على مضض، ما يدفع أندي للتمسك بالبيت الكبير المهجور، الذي وجدته بالمصادفة البحتة في الحي الذي تعيش فيه مع شقيقها، وتحوله إلى فندق يستوعب فرايدي مع كلبين ضالين آخرين، وينضم إلى الكلاب لاحقا في البيت الجديد أو في الوطن الجديد، ثلاثي الأصدقاء ديف (جوني سيمونز) وهيذر (كيلا برات) ومارك (تروي جنتيلي)، ومعهم كم هائل من الكلاب الضالة التي تعاني مثل الشقيقين من اللاوطن واللاانتماء.

هكذا صنع المخرج خيوط التماس بين مجتمع البشر ومجتمع الكلاب، مستخدماً في إدارة هذا المجتمع المستعار المكثف داخل هذا الفندق المنعزل، حلولا أقرب إلى حلول أفلام الرسوم المتحركة، معتمداً على أن الكلاب نفسها كائنات مختلفة الأحجام والارتفاعات والمتطلبات، فهذا يحب الطعام أكثر من الآخر، وهذا يحب تحطيم الأثاث، واستخراج باطن المقاعد أكثر من الثاني، مع مواقف كوميدية ترسم أحيانا الابتسامة، وتدفع في مشاهد أخرى إلى مزيد من الضحك.

تعامل مدير التصوير مايكل جرادي بحرفية واستيعاب إيجابي مع البيت المنعزل الذي تحول إلي فندق، وتنوعت الكاميرات بين الكادرات والزوايا باستغلال طوابق البيت وحجراته المختلفة الاتساع والارتفاع والعمق، مقدمة لمحات ممتعة من ألوان وشحنات الإضاءة المتنوعة القادمة من بنات أفكار بروس الصغير، كما ساهمت المؤثرات المرئية في إضفاء الواقعية بين عالم الكلاب وعالم البشر.

وبالفعل مع هذا الوطن والانتماء الجديد، يرفضان (أندي وبروس) عرضاً مغرياً جدا للتخلي عن حلمهما، والذهاب للحياة مع عائلة ثرية، كما أنهما يرفضان تماماً أي محاولة مهما كانت لتفريقهما عن بعضهما البعض، حتى لا يتذوقا طعم الحرمان من العائلة مرة أخرى، لأن هذه المرة ستكون الأخيرة بلا أمل ولا نجاة ولا أي هوية.

دبي - أسامة عسل