الإشكالية التي لا تزال محل جدل دائم هي مدى صلاحية الأدب الروائي للاقتباس منه دائماً، وهل يعتبر صالحاً في كل وقت لنقله إلى شاشة السينما، وبالتالي، هل يمكن النظر إلى كل عمل روائي ناجح على أنه يصلح بالضرورة، ليتحول إلى حكاية يمكن سردها سينمائيا؟

يتأكد هذا التساؤل، ونحن نتحدث عن السينما الأميركية تحديداً،عندما يدور الحديث عن أعمال روائية بطابع إثارة بوليسية، كما هو الحال في روايات الكاتب الأميركي دان براون الجديدة على الفن السابع، والسينما، على الرغم من حاجتها الدائمة إلى مؤلف كخطوة أولى، فإن هذا لا يجعل من الرواية تأليفاً سينمائياً جيداً.

ورواية (ملائكة وشياطين) لدان براون هي واحدة من أمثلة كثيرة على ذلك، تأتي في مقدمتها روايته الأخرى (شفرة دافنشي)، التي حولت أيضاً إلى فيلم سينمائي قبل ثلاث سنوات، وأحدثت ضجة لا تستحقها على الإطلاق.

وإشكالية مثل هذه الروايات عند تحويلها سينمائياً هي أنها بذاتها، لا تعدو أن تكون حكايات تسلية وإثارة، ولا ترمي إلى ما هو أبعد من ذلك، وشخصياتها لا تتعدى في تركيبتها مستوى الحدث الذي تعيشه، لذا يبقى الخيال الروائي هو اللاعب الوحيد في هذا النوع من الرواية، والسينما بطبيعتها تقوم بتجريد الرواية من تلك الخاصية تماماً.

ويتبقى من الرواية شخصياتها ومكوناتها النفسانية وأهمية الحكاية تاريخياً، أو اجتماعياً أو معرفياً، إلا أن أياً من تلك الأمور، لم تكن عناصر قوة في (ملائكة وشياطين)، حتى يمكن صناعة فيلم جيد منها. وكقاعدة عملية ـ ربما ليست دقيقة بما فيه الكفاية، لكنها صحيحة في كثير من الأحيان، فإن أي عمل روائي يبدو من القراءة الأولى، عملاً تسهل صناعته سينمائياً بشكل مثير، فهو دليل على عكس ذلك والعكس صحيح.

أراد فيلم (ملائكة وشياطين) أن يقدم رسالة سلمية أقل تطرفاً من (شفرة دافنشي)، وحاول أن يوفق بشكل من الأشكال بين العلم والدين، إلا أن مثل هذا الموضوع لا يمكن طرحه من خلال مطاردة بوليسية بين كنائس روما العتيقة، استمرت طوال أحداث الفيلم تقريباً.

كما أن استبعاد حكاية الحب، التي نشأت بين البروفيسور لانغدون وعالمة الفيزياء (المبعوثة من قبل المختبر) في الفيلم، على الرغم من وجودها في الرواية، كان في صالح العمل، فإنه كان من الأفضل أيضا استبعاد هذه الرسالة التي لم تتسق مع إيقاع الفيلم وإبقاء الصراع على حاله. ربما سينتهي (ملائكة وشياطين) كفيلم شباك تذاكر عادي، لكن على الأقل سيكون فيلماً أكثر احتراماً لعقليتنا كمشاهدين، وهذا ما نتعرف عليه في الصفحات التالية من ملفنا السينمائي الأسبوعي.

دبي - أسامة عسل