«أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودارته فرائد عقدي».. مقطع يعشقه الكثير من محبي سيدة الغناء العربي أم كلثوم التي غنتها في رائعتها «وقف الخلق».. لكن هناك من هو أكثر عشقاً لهذا المقطع، هو الجواهرجي المصري حسين أبو السعود، فهو يحمل له مفردات التاج والدرة والعقد التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهوايته في اقتناء المجوهرات والحلي النفيسة، وأيضاً بمهنته في تصنيع القطع الذهبية التي أمضى فيها سنوات عمره التي قاربت على الـ80 عاماً.
في شارع «الصاغة» المقارب لمسجد «الحسين» في منطقة الأزهر بالعاصمة المصرية القاهرة، ووسط القطع الذهبية يجلس الحاج حسين على مقعده في محل المجوهرات الخاص به، يوقره الكبير قبل الصغير من تجار الذهب في ذلك الشارع، فهو بينهم «شيخ الجواهرجية» ذلك اللقب الذي لم ينله من فراغ، بل من واقع خبرته الطويلة في عالم اقتناء وتصنيع المصوغات. كان الطفل حسين في العاشرة من عمره عندما أخذه والده الجواهرجي ليتعلم منه فنون مهنته في شارع «الصاغة»، بما أنه الشارع الذي يتخصص في صناعة وتجارة الذهب؛ حيث تصطف على جانبيه المحلات وورش التصنيع، والتي بداخلها يتفنن الصناع المهرة في صنع وابتكار الزخارف والقوالب والأشكال لتقديم الجديد دائماً. هناك في هذا المكان بدأت هواية الطفل حسين في النضوج بعد أن جذبه هذا العالم لكي يعرف أسراره، ولكي يطمئن قلب أبيه أنه شرب أصول الصناعة جيداً ألحقه بمدرسة «السرجاوي» لتعلم مبادئ الجواهرجية.
لم يتوقع الشاب حسين ذو الخمسة عشر عاماً أن تتحول هوايته إلى مهنة في هذه السن المبكرة رغم حصوله على الشهادة الابتدائية القديمة في ذلك الوقت، والتي كانت تؤهله لدخول الجامعة، ولكنه فضل «عالم المجوهرات» بعد أن ثقل موهبته بالدراسة، حيث تعلم الكثير في مدرسة «السرجاوي»، للدرجة التي أصبح يعرف فيها وزن المجوهرات من الذهب أو الماس بمجرد نظرته إليها قبل أن تمسكها يداه، بل مر عليه داخل المدرسة خمسة عشر عاماً أخرى حتى وصل إلى منصب المدير العام، وأصبح هو الأستاذ والمُعلم لكل من يلتحق بها. عشرات التصميمات يتقنها الحاج حسين، فكل الموديلات الحديثة والعالمية لأشهر بيوت الخبرة من المجوهرات كان الرجل ولا يزال ينفذها داخل محله، ثم تأخذ طريقها إلى واجهة العرض لتجذب زبونها، حيث عكف لسنوات طويلة يجلب العديد من الكتالوجات من الخارج ـ خاصة فرنسا ـ ليصمم منها ما يروق له، لكن بذوق وأنامل فنان مصري، ولا مانع من أن ينفذ تصميمات بعينها وأشكال أخرى يقوم زبائنه باختيارها.
ولبراعة وموهبة الرجل في تشكيل الذهب والماس اتسعت شهرته؛ بل فاقت موهبته جميع زملائه في شارع الصاغة، فمجوهراته تجتذب عشاق الجمال، وما من عروس في القاهرة أو أي محافظة مصرية أخرى تحضر إلى الشارع بعد خطبتها قاصدة شراء شبكتها الذهبية إلا ويُلبي لها الحاج حسين ذوقها من بين عشرات المصوغات. يلمع اسم الحاج حسين بسبب موهبته، فبمجرد معرفة أن أنامله هي ما حفرت وشكلت ذلك الطقم الذهبي أو ذلك العقد يكون ذلك كفيلاً بطمأنة أي زبون، كما امتد صيته إلى الفنانات والمطربات، وعلى رأسهم كوكب الشرق أم كلثوم التي اختارته ليكون الجواهرجي الخاص بها، لذا فهو يفخر بذلك أمام الجميع، ودائماً ما يردد: «كنت الجواهرجي الخاص لأم كلثوم». ففي فيلتها الخاصة الشهيرة الكائنة في حي الزمالك كان الحاج حسين يذهب إلى أم كلثوم، أو كما يحب أن يطلق عليها «الست»، يتذكر تلك الأيام بقوله: «كانت مغرمة باقتناء كل ما هو جديد ونادر وتحرص ألا تكون القطعة التي تقتنيها لها شبيه آخر، وعند اختيارها (موديل) ما تطلب مني أن أقوم بعمله لها على الفور، وتؤكد عليّ بأن أجلب لها كل ما هو جديد أثناء زيارتي التالية لها، وأكثر ما كانت تعشقه الحلقان والبروشات والأساور والتي جميعها تتزين بالأحجار الكريمة».
ويضيف: «أم كلثوم كانت تهوى شراء حبات الألماس مختلفة الأحجام، وبعد أن تشتريها ترسل لي لتختار (موديل) ما حتى أقوم بوضع هذه الحبات بداخله، وحتى الآن أحتفظ بالعديد من هذه الحبات داخل خزينة لدي».
علاقة الحاج حسين بأم كلثوم جعلت شهرته تصل إلى عدد آخر من النجوم والمشاهير في المجتمع وعلى أجيال متعاقبة، فهناك السندريلا سعاد حسني والتي كانت تأتي إلى محله في سيارتها الخاصة وهي متخفية، وكانت المجوهرات التي تشتريها ليست لها بل كانت تشتريها على سبيل التهادي.
ومن زبائنه المشاهير أيضاً المطرب «محرم فؤاد» والذي يعتبره الحاج حسين صديقاً له، حيث كان يمر عليه لشراء الذهب أو ليجلس معه ليشرب القهوة، وأيضاً كان يقصده العندليب عبدالحليم حافظ الذي كان من هواة الساعات القيمة، ومن المشاهير حالياً هاني شاكر ومحمد ثروت، وكان يتمنى أن يتعامل مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب لأنه كان يحب صوته، ولكن لم يحظ بذلك.
بالرغم من كبر سن الحاج حسين إلا أنه لم يستطع أن يجلس في البيت، فالمكان الوحيد الذي يرتاح به هو محل المجوهرات الخاص به وسط ذكرياته و«كلثومياته»، وأبناؤه الأربعة وأحفاده الثلاثة عشرة الذين أورثهم جميعاً هوايته ومهنته، فصناعة الذهب وصياغته وتشكيله من الصناعات التي كانت ولا تزال يتم توريثها من الآباء إلى الأبناء وهكذا، ودائماً ما يصعب على الغريب دخول عالم صناعة تشكيل وصياغة الذهب.
نترك الرجل ويديه تقلب في خزينته التي لا تحمل فقط الماس والذهب، بل تحمل أيضاً كل الشرائط الخاصة بأغنيات أم كلثوم، بينما يدندن لسانه بمقطعه المفضل: «أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ودارته فرائد عقدي».



