في مدينة الفسطاط.. «مصر القديمة» كما يطلق عليها المصريون تجتمع الحِرَف وتنصهر الخبرات التي تراكمت بمرور السنين وتوالي الحضارات، ولا تزال هذه الحرف تشكل ملمحاً أصيلاً يزين جبين هذه المدينة العريقة.
فهناك أنواع كثيرة من الحرف تجمعت أدواتها في شكل منظومة عمل داخل «مركز الحرف التقليدية» بمنطقة الفسطاط بهدف الحفاظ على الموروث الشعبي الثقافي والفني. الزائر لمركز الحرف التقليدية يشعر بسحر خاص يلف جنبات ما يقارب عشر حرف فنية يدوية منها النقش على النحاس، والحفر على الخشب، وتجارة الأثاث، والتطعيم بالصدف، والخرط العربي، والتكفيت بالفضة، والزجاج المعشق بالجص، والمصاغ الشعبي، وزخرفة الختام.. في السطور التالية نروي حصاد جولتنا داخل هذا المركز الذي يضم بين جنباته حرفاً لها عراقة تاريخية وجذور متميزة.
النقش على النحاس... من داخل قسم «النقش على النحاس» يروي لنا الحاج حسن أحمد محمد «فني نقش على النحاس» حكاية 37 عاماً مع هذه المهنة التي يبدأ تصنيعها بالحصول على قطعة النحاس من أي نوع «أبيض، أحمر، أصفر»، تتبعها عملية اللصق بمادة من الشمع تساعد على تثبيت القطعة والحفاظ على المشغولة إلى أن تتم عملية النقش. ويقول الحاج حسن: تستخدم في هذا الفن مجموعة من الأدوات عبارة عن «برجل» من الحديد لحفر الأشكال الهندسية التي يتم وضع الزخارف النباتية بداخلها، إضافة إلى «شاكوش نقش» به نسبة من الميل للتركيز بعملية الطرق على قلم النقش حتى يتسنى للحرفي سهولة الاستمرار في «النقش» لمدة أطول.
أما الأطباق التي يتم النقش عليها فهي عبارة عن أطباق نحاسية من أي نوع مثل الصواني والصدريات والفازات والشكماجيات والأباليك والنجف، وتتم عملية تجميل هذه القطع النحاسية بتطعيمها بالفضة وعمل تفريغات من الأركت باستخدام منشار خاص يأتي من نفس الاسم، والطرق عليها لإظهار الأشكال الهندسية والنباتية بعد عملية النقش. بعد ذلك تأتي مرحلة «التجميع»، وفيها يتم عمل لحامات للأشكال المجسمة لاستكمال الشكل الهندسي النهائي للمشغولة، تليها عملية «التلميع» وهي المرحلة النهائية التي يتم فيها تحديد اللون المراد إخراج القطعة عليه سواء كان عن طريق الأكسدة أو الطلاء أو إظهار لون النحاس الأصلي، وبهذه المرحلة تكون قد اكتملت قطعة النحاس المراد استخدامها.
الخرط العربي
ومن النقش على النحاس إلى قسم الخرط العربي، حيث يوضح محمد الديب المشرف على أقسام الحرف بالمركز أن هذا الاسم يعود إلى شرب المياه فقد أوجد الصانع بروزاً خارج المبنى يوضع عليها أواني الشرب حتى تتعرض للهواء المار من بين قطع الخشب ليتم تسقيع المياه، ومنها أتى مسمى «المشربية» ليرتبط بحرفة الخرط العربي التي تتطلب نوعية خاصة من المهارات الفنية.
هذه الحرفة الفنية، والكلام لمحمد الديب، تقوم على تشكيل الأخشاب بخرطها يدوياً إلى قطع مختلفة الأحجام والأشكال منفصلة أو متصلة في عمود، ويتم تجميع هذه القطع بتعشيقها في بعضها البعض دون مواد لاصقة حتى تصبح صالحة للاستخدام في عمل المشربيات والنوافذ والسوائد وقطع الأثاث، وتتفاوت قيمة المخروط تبعاً لحجم قطعة الخشب المخروطة؛ فكلما كانت صغيرة ودقيقة اكتسبت قيمة فنية أكبر، وأيضاً مع استخدام تنويعات لونية باختلاف نوع الخشب المستخدم.
ويضيف: إن حرفة الخرط من الحرف المكملة لحرفة «النجارة» الدقيقة التي يطلق عليها «النجارة العربية»، والتي تعود إلى عهد الفراعنة، حيث وجدت نقوش ورسامات في هذا العهد يوضح استخدامهم لماكينات الخرط اليدوي التي كانت على شكل رأس لخرط الأواني الخشبية إلى أن تم تطويرها إلى ماكينة بشكل أفقي تعمل بالدواسة، ثم دخل عليها تطوير لتعمل بواسطة «طارة» كبيرة، وشهدت تطويراً آخر بصنع «مخرطة القوس اليدوي».
القمريات
قسم فني آخر خاص بحرفة «الزجاج المعشق»، والتي تعتبر من أهم الحرف التي كانت تميز العصر الإسلامي سواء على مستوى الحياة المدنية أم العمارة المدنية، وهذه الحرفة كما يقول محمد الديب، من الحرف التي تحتاج إلى حس فني راق، وتعود تسميتها إلى تداولها بين الحرفيين بسبب تعشيق الزجاج في أكثر من مادة ومنها الرصاص والنحاس والخشب، إلا أن التسمية الصحيحة لهذه الحرفة هي «القمريات».
وترتبط حرفة الزجاج المعشق ارتباطاً كبيراً بالعمارة الإسلامية، وكانت تصنع من الرخام الرقيق الذي يتميز بشفافيته من انعكاس ضوء الشمس، وتطورت صناعتها بالجبس المفرغ دون زجاج على هيئة زخارف هندسية ونباتية، ثم أحدث لها تطويراً آخر بإضافة قطع من الزجاج الملون لسد الفراغات فزادتها جمالاً، وأضافت على التكوين الهندسي إبهاراً.
تصميمات مستحدثة
وداخل قسم الحلي، تقول الدكتورة وهاد سمير أستاذ الحلي بالمعهد العالي للفنون التطبيقية والمشرف على قسم الحلي بمركز الحرف التقليدية: إن قسم الحلي يختلف عن نظرائه بالمركز لكونه يحمل طابعاً خاصاً مستوحى من التراث الفرعوني والإسلامي والشعبي والقبطي، ولكن بتصميمات حديثة وتقنيات قديمة، موضحة أن الفنيين يعملون داخل قسم الحلي على إعادة تصميمات مستحدثة من التراث بهدف الحفاظ على الهوية العربية، كما أن هناك تصميمات مستوحاة من جدران المساجد والقيشاني والرسوم الجدرانية وشبابيك القلل.
الحلي الإسلامي، كما تقول أستاذ الحلي، تتميز بالموتيفات الورقية المأخوذة من النباتات والطيور والحيوانات بشكليها الطبيعي أو المجردة، كما تتميز بأوراق من الزهور، بالإضافة إلى التكفيت بالنحاس والفضة.
صناعة الخيام
وهناك موروثات من فنون وحرف تقليدية تعبر عن الأصالة والعراقة مثل صناعة الخيام، وهي من الحرف القديمة تاريخياً، حيث ترجع للعصر الفرعوني، ونرى ذلك بوضوح في بعض الملابس الفرعونية المزخرفة بشرائط مضافة عن طريق التطريز مثل رداء توت عنخ آمون الموجود بالمتحف المصري، ثم استمرت بعد ذلك في العهدين اليوناني والروماني، واستمر الأقباط يعملون بالحرفة تحت الحكم العربي أيضاً.
كما شهدت صناعة الخيام رقياً كبيراً قبل الفتح العربي فظهرت كسوة الأضرحة المطرزة بكتابات مثل «لا إله إلا الله»، كذلك المعلقات الحائطية، كما ظهرت المفارش والستائر ذات الزخارف الدقيقة، وهي حرفة لها تاريخ عريض حيث كانت تضع منها كسوة الكعبة المشرفة مطرزة بالسلوك ـ تشبه الخيوط ـ الذهبية الحقيقية، وتستخدم الكتابة عليها بالخط العربي، واستعمال الزخرفة الإسلامية من وحدات زخرفية نباتية وهندسية.. ومازالت «الخيامية» تستخدم في المفروشات وعلى الحائط كديكور.
حاضر مشرق
وتبذل وزارة الثقافة المصرية حالياً جهوداً مضنية للحفاظ على الحرف التراثية، وذلك ببناء وتطوير مركز الخزف بالفسطاط، ثم بناء مركز الحرف بالفسطاط، وما تبعه من نقل للحرفيين من وكالة الغوري لما يمثله وجود هذه الحرف من خطورة على ذلك المبنى الأثري الجميل، ثم نقل تبعية الحرف إلى صندوق التنمية الثقافية، والذي يعتبر نقلة مهمة في سبيل تطوير الحرف.
وتعد مراكز الحرف بالفسطاط أحد المشروعات الكبيرة التي أنشأتها وزارة الثقافة، والتي تهدف إلى إحياء أمجاد ماض عريق وحاضر مشرق، وذلك بإتاحة الفرصة الكاملة أمام الفنانين والحرفيين لممارسة إبداعاتهم، وتأكيد القيمة الفنية في هذا المضمار، لذا فإن الأمل معقود على هذا المركز باعتباره مصدر إشعاع في منطقة الفسطاط التي تعد من أهم مناطق مدينة القاهرة العريقة وأكثرها ثراءً حضارياً.



