يختتم الليلة..مهرجان كان في دورته الثانية والستين، التي كانت أقل زخماً في عدد الحضور والنشاطات. ولا تبدو الأفلام حتى كتابة هذه السطور في صورة أبهى، وكما عوّدنا المهرجان على اختيار أفلام عنيفة ودموية، فقد شاهدنا كماً كبيراً منها هذه السنة.

الدانماركي لارس فون تراير يحضر بفيلم (آنتي كرايست) في المسابقة الرسمية، وهو دراما مختزلة بين زوج وزوجته محاطان بعالم كثيف من الكآبة. لا يُفاجئنا تراير كثيراً بأسلوبه أو في طريقة تناول أفلامه، أو في موضوعاته، ولكنه هنا يزيد من جرعات العنف، لتصبح في النهاية أشبه بمادّة كاريكاتورية هزلية. رومانسية العنف الفيلم مقسّم إلى أربعة فصول ملّونة، ومقدّمة ونهاية بالأسود والأبيض، وفيهما نتعرّف على جذور الحكاية، والملخص أو النتيجة. عندما يحدث أن يموت ابنهما حين يسقط غفلة من نافذة المنزل، بينما هما منشغلان في ممارسة الحب، تدخل الأم في حالة غيبوبة، ثم لتبدأ رحلة من الحزن والألم والتوتر، والسادية، والمازوشية.. وإلى أيضاً حالات من الحنين، والحب الدافئ، والهدوء المصبوغ بمفاجأة انهيار اللحظة.

يحدث كل هذا وسط أجواء بصرية، إما مغلقة تماماً على الشخصيتين، أو وسط انفتاح بصري سريالي على غابة خضراء، وماء، ومطر وأشجار ذات عروق ملتوية ونافرة، ورموز حيوانية كثيرة. في هذه الرحلة، يحاول الزوج أن يعالج، وبشكلٍ تدريجي حالات الزوجة العصبية.

في لحظات قليلة ينجح في ذلك، ولكنها ترتد دائماً إلى زاوية الصفر، وتدخل في دوامات من الهستيريا المتواصلة التي تحولهّا إلى امرأة شرسة وعنيفة إلى درجة الأذى الجسدي للزوج، وبشكلٍ دموي حاد، يفقد من خلالها حواسه اليقظة دائماً على وحشيتها.

أسلوب فان تراير هنا مسكون بالرعشة، في كثير من الأحيان نجد كاميرا تتلاحم مع الحدث في بوتقة غرائبية مهزوزة ومرتجفة، وفي أحيانٍ أخرى كاميرا هادئة، وصورة مبطئة إلى درجة السكون التام، وكادرات ثابتة، حتى يُخيل إليك أن الصورة ميتة، ولا يوقظها إلاّ العنف القاسي الذي يُربك المشاهد، وربما يدفعه إلى أن يشيح بعينه عن الشاشة لبشاعتها وقبحها.

عطش للدماء

الكوري بارك تشان ووك لا يبتعد كثيراً عن الدنماركي تراير، هو يستخدم الشراسة ذاتها في بناء حبكته، وتدمير شخصياته في فيلمٍ ربما أعاد نفسه كثيراً في السينما. في (عطش) الذي يتنافس على السعفة الذهبية، يعيد تقديم شخصية مصّاص الدماء بشكلٍ معاصر، وذلك عندما يتطوّع القسيس فيلاسانغ هونلالا إلى مختبر طبي في إفريقيا لإجراء بعض التجارب لاكتشاف دواء لفيروس جديد وفتاك، ولكنه يموت أثناء العملية تلك.

هذا ليس كل شيء لأنه سيعود مرة أخرى إلى الحياة، وهذه المرّة على شكل مصاص دماء خفي، ما يجعل ممن حوله يؤمنون بأنه قسيس مبروك، ويذهبون ليقرأ تراتيله عليهم. أحدهم هو صديق طفولته مع زوجته التي سرعان ما تنشأ بينها والقسيس علاقة حب سرية. هذه العلاقة التي ستغيّر مجرى حياة القسيس تماماً.

وعلى الرغم من تحوله إلى مصاص دماء، إلاّ أنه لا يؤمن بقتل ضحاياه ليمتص دماءهم، بل يفتش عن مصابين وجرحى في المستشفيات، ليحصل على نصيبه من الدم للعيش، وإلاّ، فإن الفيروس الذي انتشر في دمه سيودى بحياته. هذه المثالية والأخلاقية تأتي من عالمه الإنساني النهاري، أما في الليل، فهو يفتش عن طعامه في أروقة المشافي، ولا يتغذّى من أعناق الضحايا كما هو دارج، بل من أنابيب الدماء المعلّقة لتزويد المرضى بالدم، وهي طريقة حضارية لمصاص دماء على قدرٍ عالٍ من الضمير.

كل ذلك يتغير عندما يتورّط في علاقة الحب هذه، فالعشيقة تدفعه قسراً إلى كسر أخلاقياته ومثله الآتية من عالم الإنسان، ما يضطره في لحظة إلى نقل الفيروس إليها، لتتحول بالتالي إلى مصاصة دماء شرسة، بلا أخلاق أو ضمير، تقتل، وتدمر، وتفتش عن ضحايا كثر، ملفتة الأنظار إليها، وبالتالي إليه ما يُحدث صداماً بين الاثنين، أقل ما يحدث هو أن تتطاير الدماء، وتنسكب على الشاشة بالمجان.

ومثل فيلم تراير، تتعدّد الوسائل العنيفة التي تستخدمها الشخصيات في القتل، وكسر الأطراف، وتشذيب الأعناق في ملحمة حمراء لا نهائية. ووك الذي أتحفنا سابقاً بفيلم (أولد بوي)، والذي عمل على فيلمه الأخير هذا لمدّة عشر سنوات كاملة، ليس في أفضل حالاته. ربما أراد أن يصنع فيلماً مستقبليا، لما يمكن أن تقدّمه السينما، نقلاً عن برام ستوكر، ولكن الأكيد أنه ليس (عطش).

كان - مسعود أمر الله آل علي