هزائمنا السياسية، خيانة الأوطان، السجناء السياسيون، تجارة الأعضاء، الرشوة، تبييض الأموال، سفاح القربى، الخيانة الزوجية، وجرائم الكمبيوتر.. عناوين عريضة، لحكاية الدراما الاجتماعية السورية (سحابة صيف) للكاتبة إيمان السعيد والمخرج مروان بركات وإنتاج المسار الدولية للإنتاج الفني؟.
ويشارك في العمل نخبة من نجوم الدراما السورية منهم: سلوم حداد، وبسام كوسا، وسمر سامي، وكاريس بشار، وقيس الشيخ نجيب، وجهاد سعد، ونادين، وأحمد الأحمد، وديمة قندلفت، وريم علي، وكندة علوش، وأناهيد فياض، وعامر علي.. وآخرون. بينما أعد له الموسيقى التصويرية طاهر ماملي، وتولى إدارة التصوير والإضاءة جورج لطفي الخوري. ولعل اجتماع العناوين السابقة بحرارة مضمونها، يبدو كما لو أنه يريد أن يرفع الغطاء عن المسكوت عنه، في واقعنا الاجتماعي والسياسي دفعة واحدة.. هذا على الأقل، ما يرى المخرج مروان بركات أنه مسؤوليته، إذ يقول:( لدي مشروع فني أحد أهدافه تناول قضايا المجتمع بواقعية، ومسؤولية المخرج أن يضع يده على مكان الخلل وتعريته). ووفق هذا المنظور، يعارض المخرج بركات إطلاق صفة الجرأة، على تناول الموضوعات السابقة درامياً في مسلسله الجديد، لأن ما يطرحه في العمل موجود في الواقع، لكنه يستدرك بالقول:( يمكن اعتبارها جرأة تسجل لصالح الدراما العربية، ولكن ما نحسبه هنا جرأة سبقتنا إليه الدراما العالمية).
الواقع الذي يسعى المخرج بركات وكاتبة المسلسل إيمان السعيد لتشريحه، سيتقاطع كثيراً مع واقع تشكيل المدن الكبرى في الوطن العربي، تلك التي تتكون من خليط من سكانها الأصليين والوافدين إليها سواء من أبناء المناطق في البلد ذاته أو من البلدان الأخرى. وبالتالي سنشهد فضاء درامياً للحكاية شديد الالتصاق بطبيعة التشكيل الاجتماعي المعقد لهذه المدن ، التي تضم إلى جانب مواطنيها لاجئين..لكل من هؤلاء حكاياته ومكابدات ارتحاله، وله ما يجمعه مع آخرين من هموم اجتماعية واقتصادية، وله همه السياسي الخاص المتأتي من فوضى الحروب والهزائم السياسية، التي تشهدها منطقتنا.. وذلك كله يبدو أنه شكل باجتماعه بوابة واسعة على فوضى صراع لا منطقية أفضت إلى قيم وقناعات هشة، راحت تسيطر على حياتنا الراهنة، وفق ما يؤكد البيان الترويجي للعمل، أفضت إلى وقوع المحظور: الرغبة بقتل الأب لإطعام الولد، سفاح القربى، الإدمان على الحبوب، جرائم الكمبيوتر إلى بيع بعض أجزاء الجسد، الرشوة وتبييض الأموال، إفلاس المبادئ وضياع الأحلام...وتلك هي حكايات مسلسل (سحابة صيف).
بركات: لا أروج للسياحة ... ربما تبدو الصورة قاسية، إلا أن المخرج بركات يوضح أنه لا يعمل في الترويج السياحي ليظهر جمال المدينة، مشيراً إلى أن مسلسله يؤكد على فكرة أنه من كثرة الأزمات التي تعرض لها المواطن العربي، بات كلما تعرّض لأزمة جديدة يصفها بأنها عبارة عن سحابة صيف وتمّر.. لذا تبدو مقولة العمل الأساسية، مشغولة باستئصال تلبد الإحساس لدى المواطن العربي، لجعله يرى ويشعر بما يحدث حوله في الأمة العربية كلها.. كما يقول بركات. وعن سبب الحضور الدائم للفنان بسام كوسا في معظم أعماله، يقول بركات:( بسام كوسا شريك أكثر منه ممثل وبطل العمل.. والشراكة تبدأ منذ اختيار النص، وما يليه من خطوات، وهي تعود إلى مسلسل (أبناء القهر) ومستمرة حتى الآن وفي الأعمال المقبلة).؟
كوسا.. وذكريات حيفا
يؤدي الممثل بسام كوسا شخصية (أبو حبيب) وهو رب أسرة فلسطينية لا يزال رغم كل ظروف اللجوء التي مرت به وبأسرته، مسكوناً بالعيش على أمجاد ذكرى عائلته الإقطاعية أيام حيفا قبل النكبة. ويمزج (أبو حبيب) بين القوة والشهامة والنبل، ولكنه يبدي عدم مسؤولية تجاه بعض الأمور، فضلاً عن تميزه بشخصية نزقة.
ويعايش (أبو حبيب) مرض السكري الذي يغلبه، ويؤدي إلى بتر ساقه، ليجد الرجل نفسه أسير فكرة الموت، وهو من عاش يرفض الانكسار والضعف..لكن دخول أشخاص جدد على حياته، يترك له الأبواب مشرعة على أمل جديد في الحياة.
سلوم حداد..البراغماتي الجديد
الفنان سلوم حداد يجسد شخصية (عماد الناجي) وهو رجل في الأربعين من عمره، يدير مكتباً للسياحة والسفر في وسط المدينة، ويجسد حقيقية التغيرات التي طرأت على واقعنا الاجتماعي، فينتقل نتيجة الهزائم العامة والشخصية، من موقع الذين يمتلكون أحلاماً كبيرة بالنصر والشعارات الكبيرة، إلى موقع البراغماتي العملي التي تتناسب أفكاره أكثر مع واقع هذه الأيام ومنطقها، فنجده إلى جانب العمل في السياحة والسفر، يقوم بتبيض الأموال، ويمارس العديد من فنون التلاعب والتحايل على الآخرين.
ديمة قندلفت.. رومانسية مفرطة
تقدم الفنانة ديمة قندلفت شخصية (شهد) الشابة الجميلة التي تمثل بجنونها ورمانسيتها وجرأتها وتحررها،نموذجاً لفتيات جيلها..إلا أننا منذ بداية العمل، نرى (شهد) راغبة بالموت، وتأخذه وسيلة في الضغط على الآخرين عاطفياً، وهي رغبة سرعان ما نكتشف أنها ناتجة عن تعرضها للتحرش الجنسي في مراهقتها، ومع الانهيارات المادية والنفسية لأسرتها، تنتقل (شهد) للعيش في بيت (أبو حبيب)، الذي تعيش قصة حب مع ابنه أسامة. ومع العائلة الجديدة تبدأ (شهد) باستعادة توازنها النفسي، وتتجاوز الضغوط التي تمر بها.
كاريس بشار..ضحية الواقع
تجسد الفنانة كاريس بشار شخصية (ناهد) الممرضة في أحد المستشفيات الحكومية، وهي تمثل النموذج الأكثر واقعية في التعاطي مع الحياة، ولكنها تبدو مصابة برهاب التعرض للأذى من الآخرين. في البيت الذي تستأجر غرفة فيه، تكتشف (ناهد) أن جارها زهير يتحرش بالفتيات الصغيرات، وتكتشف أن ابنتها تعرضت للتحرش من قبله فتندفع لقتله، ليصاب زهير وتدخل هي إلى السجن، حيث سنتعرف على تاريخ (ناهد)، ونكتشف أنها فتاة لقيطة نشأت بين الشارع ودار الأيتام، ولها ملف عند الشرطة يحتوي على العديد من الجنح..الأمر الذي يغيص قضيتها ضد زهير الذي أصيب بعاهة دائمة.
سمر سامي.. فلسفة حياتية
وأخيراً، تجسد الفنانة سمر سامي شخصية (أم حبيب) الفلسطينية اللاجئة المفجوعة باستشهاد ابنها البكر حبيب في الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف العام 1982 ، وهي الأم للجميع وجدة أولاد الحارة وبحكاياتها وقصصها التي تسردها لتبقى ذكريات الوطن وحلم العودة متقدة في الذهن والقلب، وتشكل (أم حبيب) بكلماتها البسيطة فلسفة الخبرة الحياتية وتشحن الآخرين بقوة .
دمشق - ماهر منصور



