ينطبق عليها المثل القائل : «لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله»، فعلى الرغم من أن منوبية فوناس تجاوزت الـ 88 من العمر إلا أنها إلتحقت بصفوف إحدى مدارس محو الأمية لتعلم القراءة والكتابة ثم أصرت على تعلم بعض المهن اليدوية البسيطة كالرسم على البلور وصناعة التحف والأبجورات .

إلتقيناها صدفة في معرض للمصممات العصاميات ، فلفتتنا لأنها الأكبر سناً والأكثر إصراراً على التواجد والحضور.. فلم يثنها مرضها المزمن من إضفاء جو من المرح والسرور على المعرض ، حيث مازحتنا قائلة : لا تنظري لي باستغراب فأنا أعتبر نفسي أصغر عارضة في هذا المعرض .. تفاصيل اكثر في السطور التالية .. * كيف خطرت لك فكرة تعلم القراءة والكتابة عن كبر؟ ــ أنا مؤمنة بأن الإنسان يستطيع أن يتلقى التعليم في أي سن ، فلقد كُنت مولعة منذ صغري بالتعليم ولكن في صغري كانت الفتاة لا تخرج من بيت أهلها إلا مرة في الثلاثة أشهر أو أكثر حتى تذهب مع والدتها إلى «الحمام التركي» ، فمن العيب أن تتعلم الفتاة في المدرسة وكانت القراءة والكتابة حكراً على الرجال فقط أو بنات «البيات» أي أعوان وشخصيات البلاد وحتى هؤلاء كانوا يتلقون التعليم من داخل بيوتهم .

* هل يأخذك الحنين إلى هذه الفترة من الزمن في ظل الانفتاح الشديد الذي تعيشه فتيات اليوم؟ ــ بصراحة لا أحن لذلك الوقت ،لأنني عشت فيه أقسى فترات حياتي في ظل الاستعمار الفرنسي الذي شعرنا معه بالذل والمهانة، فهذا الزمن أصبحت الفتاة تتمتع بحق التعليم وحق العمل وحق إختيار شريك الحياة والكثير من الأشياء التي أصبحنا نتمتع بها كنساء في عهد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ، فقد فتح لنا أبواب الحياة الكريمة بعد سنوات من ذل ومهانة المستعمر، ولكن ما لا يعجبني في فتيات اليوم الحرية المطلقة في اللباس فتجد فتاة تمشي في الشارع ببنطلون مقطوع وكأنها أفتكه من أنياب كلب مفترس. وأخرى نسيت نصف ملابسها في البيت هذا فقط ما أعيبه على فتيات اليوم أنهن لم يحترمن الحرية التي قٌدمت لهن على طبق من ذهب ، ولا يعرفن أن للجسد حرمة يجب سترها ، أتمنى أن يفهم شبابنا النعمة التي يحظون بها الآن والتي لم نحظ ولو بنصفها أيام الاستعمار.

* تتحدثين عن أيام الاستعمار الفرنسي على تونس بكل لوعة وحزن ، فهل لاتزالين متأثرة به؟ ــ كان المستعمر يطلب من شباب تونس جمع أعقاب السجائر من الشارع حتى تتم رسالتها والاستفادة منها فهذا نوع من الذل ، كانت النساء تلدن تحت الأشجار وفي مقرات الأولياء الصالحين في ظل غياب الرعاية الصحية للتونسيات، التعليم لم يكن متوفراً ، الأكل والماء كان شحيحاً جداً كنا نشقى من أجل لقمة العيش ، كنا ننام على حصيرة وكل العائلة كانت تشترك في غرفة واحدة صغيرة. * بعد أن تعلمت القراءة والكتابة ، كيف اتجهت لتعلم حرفة يدوية؟ ــ كنت مارة ذات يوم بالقرب من دار الثقافة بالياسمينة قرطاج ، أين أعيش، ولاحظت حركة غير عادية في الدار فقادني الفضول لمعرفة ما يجري ودخلت فعلاً وعلمت أن الدار تختار مجموعة من النساء لتعليمهن حرفة يدوية فقمت بالتسجيل معهن ، أولاً لأنني أهوى الأعمال اليدوية ، وثانياً لأنني أريد أن أفتح لنفسي باب رزق يغنيني عن الحاجة لأنني مصابة بالكثير من الأمراض المزمنة التي تتطلب الكثير من الدواء الغالي الثمن.

وهل هناك مردود فعلي لمنتجاتك؟

الحمد لله على كل حال ، البعض يشتري مني لأنني كبيرة في السن والبعض الآخر يحب التحف والأبجورات التي أصنعها، مع العلم وأنني أقدم للناس أسعار مغرية جداً مقارنة بزميلاتي لأنني أعمل بوصية الرسول عليه الصلاة والسلام في أننا لا يجب أن نغالي في الأسعار.

حنة

أحيك ثياب حنة العروس ، ربما لأنني لم أحظ بعرس جميل ولم ألبس ما أتمناه فأصبحت أخيط للناس ما أتمنى أن أرتديه ، فأنا تزوجت وعمري 15 سنة ، والفتاة في ذلك الوقت كانت كل طموحاتها وأحلامها تتعلق بالزواج وإيجاد فارس الأحلام الذي سيخرجها من بيت أهلها الذي لا تخرج منه إلا للحاجة.

تونس - ضحى السعفي