في فيلمه الجديد ( لا أحد يعرف عن القطط الفارسية)، الذي افتتح قسم (نظرة ما) في مهرجان كان السينمائي، قدم المخرج الإيراني بهمن غوبادي شريطاً شبابياً بامتياز، ويخرج من خلاله عن النمط الذي عُرف به في أفلامه، بدءاً من (وقت للخيول الثملة) عام (2000)، مروراً بفيلم (السلاحف تستطيع الطيران) في (2004)، وانتهاءً بفيلم (نصف قمر) عام (2006).
يغوص فيلم( لا أحد يعرف عن القطط الفارسية) في المجتمع الإيراني المعاصر، وبالأخص فيما يُسمى بـ (الأندرغرواند)، وهنا تكون الموسيقى محوراً أساسياً ليُمرّر من خلالها فكرة الحرية. فالموسيقى لغة مجرّدة، وعندما تتبدّل الألوان والأشكال المختلفة للموسيقى في الفيلم، فإنها تنحو تجاه نماذج شابة لها وضعها المختلف، وأفكارها المنحازة إلى التخلّص من القيود، والروافد الرجعية التي تكبل اندفاعة الشباب.عندما يخرج شاب وفتاة موسيقيان من السجن، يقرّران تكوين فرقة موسيقية، وسرعان ما يجولان في أوساط الشباب الموسيقيين، ليبحثا عن عازفين بمساعدة صديق آخر لديه علاقات شائكة وكثيرة مع فرق موسيقية (أرضية)، تنتج أسطواناتها بعيداً عن الشركات الرسمية، وتقوم بنسخها وتوزيعها باليد.
ولأنهما الآن ممنوعان من قبل السلطات الحكومية، يُقرران الهروب إلى أوروبا، ولكنهما بلا مال، ولا جوازات سفر، ما يدفعهما إلى البحث عمن يقوم باستخراج جوازات مزوّرة لتنفيذ حلمهما.
غوبادي يرسم هنا لوحة معاصرة جداً لحال إيران السياسية، والفكرية، والمجتمعية بكاميرا معاصرة أيضاً تعتمد على السرعة، والملاحقة، واللهاث، وفي أغلب الأحيان في مونتاج سريع، وقطع متنافر، وخاصة عند المرور على أنواع الموسيقى المختلفة، من الروك، والروك المستقل، والراب، و(الفيوجين) الذي يعد خلط ما بين الموسيقى الشعبية والحديثة..
وكأنه يؤكد على فكرة (الفيديو كليب) التي تأخذ منحى متسارعاً في توصيل شكل الحياة.. ولكنه يستعيض هنا بالفتيات الراقصات، بوجوه بائسة، وشوارع مزدحمة، ومشردين، ونساء، وأطفال، ومدمنين، ومدينة ليلية منطفئة، وشمس ساحرة.
رحلة الشباب تلك، ممزوجة بموسيقى في أغلبها مستوردة من عالم غربي، هي رحلة البحث عن الهوية، ليس فقط الذاتية، ولكن هوية المدينة، وشكل النظام السائد، والقوانين التي تجرم المباح، وتحرم المتاح. عندما تتدرّب هذه الفرق، فإنها تكون غالباً في قاع المدينة، في أسفل البيوت، وفي سراديبها وخنادقها المظلمة، الحارةّ، والباهتة. إحدى هذه الفرق كانت تعزف في مزرعة للأبقار ـ مع عدد منها منزعج ـ من أصوات الغيتار والدرامز الساخطة، ووسط هذه الأجواء النتنة، يصاب أحد أعضائها بمرض، ويسعل باستمرار، وكأنه عزف على آلة الحلق المصابة بلوثة دموية.
عندما نرى فرقة الراب، وهي الاستثناء الوحيد في الفيلم، فإن التدريب كان يحدث في إحدى البنايات قيد الإنشاء، أو الهجر ربما، في طابق علوي (للمرة الأولى)، وفضاءٍ خاوٍ من أية جدران، فقط هي الريح التي تكمل الغناء، والمدينة المكسورة التي تستمع على استحياء لكلمات الأغنيات الغاضبة.
غوبادي يُرينا كل ذلك، ويطرح موضوعاً مغايراً وجديداً على السينما الإيرانية، ويتنقّل بنا في الشوارع الداكنة، والحكايات المخبأة، ويفضحها على الشاشة كما هي، ويُرينا كيف هي حياة الشباب التحتية، ولا يلوّن الواقع بصورة فاخرة، وزوايا أنيقة، وكاميرا ثابتة. هو يحملها على الكتف، ويمضي بنا في لغة أقرب إلى الوثائقية، ليكشف عن عينة تعيش على هامش المجتمع، واعية وذكية، وفي الوقت ذاته، محطّمة ومرتبكة، ولكنها أيضاً صامدة ومقاومة.
(كان) ـ مسعود أمر الله آل علي

