كانت دراما البيئة الشامية، بشكلها المعروف حالياً، حتى الموسم الرمضاني 2006 ، ماركة مسجلة باسم المخرج بسام الملا، وقد كرس أسمه كصانع مبدع على مدار نحو خمسة عشر عاماً، قدم خلالها «أيام شامية» مطلع التسعينيات القرن الماضي، فمسلسل «ليالي الصالحية»، ثم «الخوالي»، وأخيرا«باب الحارة» الذي قدم الجزء الأول منه عام 2006.

وعلى مدار تلك السنوات، ترسخ شكل عام لدراما البيئة الشامية، بمنطق فكري واحد، وهو شكل كرسته من قبل، أعمال الملا المتتالية، وفي هذه الأعمال سينهل السرد الدرامي حكايته، من معين ضيق للفترة التاريخية ذاتها.

وتقوم بنيته على إيقاع واحد، عصبه في الغالب، حكايات مثقلة بالحكمة والموعظة والمواقف النبيلة، تمتد خطوط أحداثها أفقياً بعيداً عن القضايا العميقة والتجذر فيها، مكتفية بسرد مشوق وممتع، ينشد في كل مرة النهاية السعيدة ذاتها.

وضمن هذه الحدود ستتشابك حكايات عدة، يزيد الشر من وتيرة حرارتها الدرامية، وتحركها العادات وطبائع البشر، ولا سيما معارك الخناجر، وصراعات النساء، وهي حكايات ستقدم بمعزل عن تحديد زماني ومكاني واضحين، وبمعزل عن العالم الخارجي للحارة، التي تدور فيها أحداث العمل، وكأن هذه الحكاية يمكن أن تحدث في أي زمان ومكان.

مجرد حكاية مسلية

خارج هذه الحدود، ستبدو أعمال البيئة الشامية مليئة بالعيوب، ولا سيما لتبنيها حكايات السلف من عادات وتقاليد وأساليب حياة، لم يعد لأكثرها وجود في حياتنا اليومية، فضلاً عن تقديمها شكل علاقات اجتماعية، لم تكن موجودة من قبل مثل مكتب لزعيم الحارة، أو تكريس«عقيد الحارة» بوصفه الرجل الشهم القوي في الحارة، في وقت كان صاحب هذا الاسم هو«الأزعر» مثير المشكلات فيها.

وكرست هذه المسلسلات أيضاً، مفهوم «باب الحارة» الذي يغلق مساء على ساكنيها، ومن المعروف أن الحارات الداخلية لمدينة دمشق لم يكن لها أبواب تغلق، وإنما كان في داخل سور المدينة قديماً أبواب رئيسية هي التي تغلق..

وعليه ربما كان من المفيد أن نتفهم أيضاً حدود هذا الشكل الفني ومضامينه، فلا نطالبه بأكثر مما ننشده من حكاية مسلية مثل حكايات الجدات لأحفادهن،ولا نتعامل معه على أنه تجسيد لتاريخ الشام وأهلها. وبالتالي صار المشاهد يتعامل مع أعمال البيئة الشامية، من باب الحكاية والعاطفة والتفصيل الذي يطربه، كما كان يحدث في حكايات الجد والجدة حول مسألتي الخير والشر فقط.