استأثرت الدراما المصرية، حتى وقت طويل على الصعيد العربي، بتقديم أعمال تنتمي إلى الذاكرة الشعبية القريبة والبعيدة، بحيث شكلت تلك الأعمال مرجعيات شعبية واجتماعية وإنسانية مهمة، تمت معالجتها درامياً، بحيث تنتمي إلى التاريخ المصري بشكل أو بآخر.
وكانت اللعبة الدرامية التوثيقية التي قدمها كتاب كبار باعتماد شخصية مؤثرة لها جذور اجتماعية ما، بأن تكون شخصية موثقة هي المحور الذي تجري معالجته مثل أحمد عرابي وطه حسين واحمد شوقي. ومن خلالها كان العمل يدلف الى الشارع المصري، مقدما تيمات وحكايا شعبية ملتصقة بالشارع المصري، إلى أن كتب أسامة أنورعكاشة عمله الملحمي الكبير«ليالي الحلمية»، الذي يعتبر بأجزائه الطويلة، حكاية شعب ومرحلة مفصلية في حياة المصريين، الأمر الذي لفت الأنظار إلى حكاية شخصيات تنتمي إلى محطات مهمة من الشارع المصري.
وتتابع فئات واسعة من المشاهدين منذ سنوات ولا تزال، الأعمال المنتمية إلى للذاكرة الشعبية على الأقل، بجرعة كبيرة من الحنين، لدرجة أن حالة من التماهي تتداخل مع حالة الحنين تلك، لتحدث تواصلاً نوعياً مع المادة الدرامية التي تعرضها الأعمال التلفزيونية، ضمن حلقات طويلة..
ولعل سر نجاح «باب الحارة» بأجزائه الثلاثة، التي قدمت يعكس تطور حالة الحنين لدى المشاهد وتطورها تطوراً، قاد أبطال هذا المسلسل، لأن يتحولوا الى شخصيات، وكأنها كانت موجودة بالفعل.
وأمام مجمل الاخفاقات التي يعيشها المواطن العربي حالياً، على الصعيدين السياسي والاقتصادي.. والإنساني بدرجة كبيرة، يبدو أن متابعة أعمالاً تعيش في ذاكرته، وتحقق احلامه، ولو على الورق، قاد المشاهدين إلى حالة الوهم تلك، ومتابعة مصير شخصيات تقدمها لهم الشاشة الفضية ضمن حالة من الجمال والحب والسيطرة والقوة.
وبرزت مع هذه المعطيات شخصيات، تظهر دور الرجال الشجعان الذين يواجهون الموت، ويجابهون الاشرار، ويرفعون الظلم عن الضعفاء، ما جعل «عقيد» الحارة الرجل المثالي لتحقيق أحلام الكثير من المشاهدين، ولتعود الايام التي كان فيها الراوي يبرز بطولات عنترة وابو زيد الهلالي ولكن بمنظار مختلف حالياً.. تعيش فيه الخيبة والانكسارات والضعف من الواقع العربي الحالي، ولنكون أمام أعمال تنتمي، ولا تنتمي الى الواقع العربي وبطولات يحب أن يعيشها كل من دخل في لعبة المشاهدة.
ويبدو أن العمل المصري يختلف تماماً عن صيغة العمل السوري، إذ أن عكاشة، بتصديه لهذا الأمر، كان يبحث عن دور العقل في هذه اللعبة، الأمر الذي لم يفض الى قداسة للشخصيات والفكرة، في حين أن العمل الشعبي السوري انقاد وراء العاطفة ووراء شخصيات وهمية دون أن يحقق كتاب هذه الاعمال حرفية تذكر، لأنهم أصلاً يلعبون على اللهجة والشخصية والعاطفة على واقعة تخص الناس.
ولعل جميع الاعمال التي قدمها المخرج بسام الملا، هي شكل متلفز عن أبطال قدمت في السيرة الشفاهية، ولا ينتمون إلى الواقع بحال من الاحوال، مع مغالطات كثيرة ضمن سياق العمل الدرامي، وبالتالي فإن عمل مثل «باب الحارة» يؤرخ لتفصيل حياتي وأكلات وطقوس معينة، ولكنه غير جدير بأن يؤرخ لمرحلة.. لذا فإن الصيغة التجارية هي ما يحركه حالياً، وفي اجزاء جديدة بات ابطالها الحقيقيون يتخلون عنها تباعاً.
دبي - جمال آدم

