مفارقة قريبة في الزمان، وأخرى بعيدة في هيئة المكان، والمكان واحد.. إنه دبي الإمارة الحالمة المتربعة على قمة الصعود نحو النجومية.. قلة ربما يحصرون في خيالهم صوراً من الواقع والماضي، فيجوبون في عالم الذكريات بعضاً من ملامح المفارقة لدبي في زمانين قريبين.. واحد منذ مطلع ستينات القرن الماضي وآخر نعيشه الآن.
مول الإمارات في دبي، يمثل أحد المعالم الحديثة التي تجسد ملامح من دبي اليوم، وخور دبي قبل 47 عاماً كان مسرحاً للقطات فوتوغرافية نادرة، شاءت الأقدار أن تعود إلى دبي بعد هذه السنوات، لتتجسد من خلالها ملامح أقوى في المفارقة، وصور الماضي والحاضر شاهدة في ذات المكان.معرض «دبي 1962» للصور الفوتوغرافية، افتتح الأسبوع الماضي بحضور عدد من الشخصيات الإماراتية واليابانية، وآخرين من السياح من مختلف الجنسيات، وهو يتواصل حتى 26 مايو الجاري ـ لمن يريد عيش المفارقة ـ، في مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون بمول الإمارات.
وهنا تتجسد المفارقة، حيث إن المكان «مول الإمارات» الذي يضم صور الماضي القريب، يعد واحداً من المراكز التجارية الأولى عالمياً، لا سيما في مجال الخدمات التي يقدمها للجمهور وفق أحدث وأشهى قوالب التسويق العالمية، أما المضمون فهو معرض للصور الفوتوغرافية التقطها مصور ياباني قادته روح المغامرة إلى عبور رمال وصحراء دبي قبل 47 عاماً، ليروي بعضاً من ملامح قسوة الحياة.
المصور الياباني السبعيني في عمره واي كاواشيما، عاد إلى دبي بعد تلك السنوات، حاملاً معه صوراً من الماضي لذات المكان.. الحاضر أجبره على عقد حاجبيه من هول المفاجأة لما رآه في دبي بين زمانين، وملامح الدهشة لا تفارق عينيه وشفتيه، والحال كذلك انطبق على كل من غاص في النظر إلى دواخل الصور التي تنثر في ردهات المكان قسوة من حياة كانت في سنوات قليلة ماضية.. وتلك القسوة سرعان ما تتهاوى في أجواء نسيم التكييف المركزي الذي يفوح من كل جدار، والديكور الخلاب المنتصب إمتاعاً للعين البشرية، والمفارقة تدوم وتدوم.
عودة إلى تفسير الواقع.. ففي مطلع ستينات القرن الماضي وبحكم النهضة الصناعية والتكنولوجية في اليابان، لامت الحكومة اليابانية شعبها على عدم مجازفته للخروج إلى العالم والاطلاع على الثقافات الأخرى، والاستفادة من تلك العلاقات في إطار مزيد من الصعود عالمياً.
ربما المصور الياباني واي كاواشيما وزميله الصحافي إتش كاتو، اللذان يعملان في صحيفة سنكاي شيمبون اليابانية، لم يحتملا كما قالا لـ «الحواس الخمس»، البقاء في قالب الحياد والخوف من المجازفة، فقررا زيارة منطقة الخليج للوقوف على واقع بعثة مهندسين يابانيين يعملون في الكويت بداية اكتشاف البترول في المنطقة، ومنها انتقلا إلى دبي في رحلة وتجربة استكشافية لم تخلُ من الصعوبة والمجازفة.
وفي دبي.. تمكن المصور كاواشيما من التقاط ما يزيد على 200 صورة متنوعة تروي تفاصيل دقيقة من الواقع المعاش في دبي أواخر العام 1962، وتؤطرها لمحات قاسية من الحياة، ومن تلك الصور ظهرت لقطات فريدة تعبر بجلاء عن واقع المسؤولية، وهي للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله باني دبي، وصاحب الحلم.
كاواشيما التقط بعضا مما تمكنت الوصول إليه كاميرته، ثم عاد بصوره إلى بلده اليابان.. وفي أواخر العام 2008، وبعد 46 عاماً، قرر إبراهيم الجناحي النائب الأول للمدير التنفيذي ـ المبيعات التجارية في المنطقة الحرة بجبل علي، زيارة اليابان في مهمة عمل رسمية.
وبينما كان الجناحي يجلس مع مدير مكتب المنطقة الحرة في اليابان، عرض عليه الأخير مجموعة صور قديمة لدبي.. فوجئ الجناحي، وتحفز لمعرفة سرها، لاسيما وأنه يراها للمرة الأولى.
الياباني وزوجته وبإلحاح من إبراهيم الجناحي، تشاركوا في الوصول إلى موقع الصور الأخرى المتوفرة لدى صحيفة سنكاي في اليابان منذ 47 عاماً، والتي تعتبر ملكاً خاصاً للصحيفة، التي لم يخطر في بالها بعد 47 عاماً من الاحتفاظ بها بأرشيفها، أنها ستعود يوماً إلى موطنها المتجدد والمختلف كلياً، فيما لم يكن للحياة حين التقاطها أي وجه سوى المشقة والصعوبة.. والتفاصيل المصورة تروي ذلك الواقع.
وبحسب ما يوضح الجناحي، فهو حينما عاد إلى الإمارات، عرض على الفور فكرة وموضوع الصور على سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس مؤسسة مطارات دبي الرئيس الأعلى لطيران الإمارات، الذي بدوره وجَّه للمصور والصحافي اليابانيين دعوة لزيارة دبي بعد عقود قليلة من وجودهما فيها.. فقدما إليها منذ بضعة شهور، وسرعان ما خرجت فكرة إقامة معرض لتلك الصور هنا في قلب دبي النابض بالحياة.
معرض الصور «دبي 1962» الذي أحاطته عدسة المصور الياباني واي. كاواشيما، وضم عشرات اللقطات الفريدة التي تعرض للمرة الأولى، وجد أخيراً في دبي، وبدعم ورعاية من سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، وهو معرض صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود التي لا تكشف عن مظهر دبي قبل 47 عاماً وحسب، بل أيضاً عن طرق الحياة القاسية التي سادت صميم هذه الحاضرة العصرية الحديثة آنذاك.
دبي ـ عنان كتانة

