ذات ليلة من ليالي صيف البحر الأبيض المتوسط الحالمة في عام 1958؛ انطلقت شابة فرنسية على متن سفينة سياحية، تحفّ بها طيور النورس البيضاء؛ متوجهة صوب أقصى الأرض باتجاه الشرق وسحره ولياليه الخيالية، فعبرت البحر المتوسط باتجاه البحر الأحمر من بوابة قناة السويس، لتصل إلى ميناء بومباي ومنه تتوجه الشابة الفرنسية إلى أرض العجائب الهند، ولا مقصد لها سوى الظفر بلقطات جميلة، للقصر والمبنى الأشهر في العالم الحديث (تاج محل).

وهاهي المصورة الفوتوغرافية الفرنسية سوزان هيلد اليوم، وبعد مرور خمسة عقود على رحلتها تلك؛ تحل في العاصمة الإماراتية لتحكي عبر الصورة، رحلتها في أمكنة ومدن العالم متخذة من (أشجار الخلود)عنواناً لمعرضها المقام حالياً في مركز «الوحدة مول».تقول سوزان هيلد التي ظلت بملامح جميلة رغم شيخوختها: (لقد جذبتني الكتابات عن الشرق وما فيه من سحر وجمال، فانطلقت في رحلة تجاوزت 15 يوماً من فرنسا إلى الهند، لأستقر هناك لأشهر، وأنا أحمل كاميرتي لتصوير لحظات الإنسانية وجمال الوجود. ولقد أسرتني قصة الحب العظيمة، التي نشأ عنها الصرح الأجمل (تاج محل) فوقفت هناك لأيام وأنا ألتقط الصور لهذه الأعجوبة الفنية، وتنقلت بعدها لأصور أماكن مختلفة في آسيا ومنها إلى بقاع العالم المتنوعة الأخرى، وما زلت إلى يومنا هذا أعشق السفر والترحال، لاكتشاف الجمال الموجود حولنا وتقديمه كهدية للبشرية).

برز العديد من المصورين الفوتوغرافيين الفرنسيين الذين تركوا للإنسانية أرشيفاً حافلاً باللقطات النادرة، لعل آخرهم رحيلاً هنري كارتييه بريسون الذي توفي عام 2006، وفردريك فيسكه الذي كان أول من صور فوتوغرافياً الأراضي المقدسة في فلسطين في القرن التاسع عشر، وأنطوان داغاتا الذي عشق دمشق والشام حد الجنون، ويان آرثوس الذي أبدع في التصوير الجوي في اليمن وما حولها، وكان لكل من هؤلاء أسلوبه ورؤيته مواضيعه التي يتخصص بها.

ورغم أن سوزان هيلد تعتبر مصورة محترفة في العديد من المجالات؛ إلا أن الأشجار كانت موضوعها المحبب إلى قلبها؛ فقد التقطت بكاميرتها صوراً لآلاف الأشجار والنباتات من مختلف أنحاء العالم، ولم تك أشجار سوزان عادية أو تقليدية، بل اختارتها بعناية .

حيث صورت أشجاراً تعيش في ظروف ومناخات صعبة لا يمكن العيش فيها، فمن سلسلة جبال الإنديز الممتدة في كولومبيا، مروراً بأدغال أفريقيا في تانزانيا، وسفوح جبال اليابان والسفوح البركانية في أميركا اللاتينية؛ أبدعت سوزان هيلد في التقاط لحظات مدهشة من حياة الأشجار، فتباين الظل والضوء ليشكل لوحة فنية تشكيلية، رسمتها يد القدر وأظهرتها المصورة الفرنسية للوجود.

يعكس معرض (أشجار الخلود) قدرة الأشجار على التعامل مع الظروف الصعبة، فترى أشجار القيقب والخيزران وحديقة طحالب وشجرة صنوبر من اليابان، تغازل حدائق (بيرادينيا) الملكية المنشأة في القرن الرابع عشر في سريلانكا.

و(جينكو بيلوبا) إحدى أقدم أشجار العالم في باريس، إضافة إلى أشجار جزر سيشيل، وأشجار على منحدرات بركان ناشط في الأكوادور، وأشجار جوز الهند التي تعلو سهول الأرز في أندونيسيا وشجرة الأكاسيا في غابة السافانا في تانزانيا، وأشجار الصنوبر الضاربة جذورها بالصخور في الصين، ووأشجار نخيل الصحراء الكبرى في تونس.

صورت سوزان هيلد طيلة خمسة عقود عشرات من الأحداث والشخصيات المهمة؛ لعل أبرزها حدث مغادرة الدالاي لاما من الصين عام 1974، وتتذكر ذلك وتبتسم قائلة: (لقد كان حشد المصورين الرجال كبير جداً، وكنت المرأة الوحيدة بين الحشد بحجم جسمي الصغير، فاحتملت التدافع والزحام لالتقاط صورة رغم المصاعب).

وقد أنجزت سوزان إلى يومنا هذا 30 كتاباً مصوراً لمختلف المواضيع ومن أنحاء العالم كافة. وتعتبر كتبها هذه بمثابة مراجع مهمة للمصورين الفوتوغرافيين في العالم.

أبو ظبي - محمد الأنصاري