بعد أن أعلن المنتج الكويتي محمد العنزي، عن تحضيرات أنجزتها شركته «المها» لإنتاج مسلسل (الأسباط) الذي يرصد سيرة الإمامين الحسن والحسين، حفيدَي النبي محمّد صلى الله عليه وسلم ، يبدو أن الأمور تتجه إلى منع تصوير المسلسل، بعد أن ارتفعت أصوات علماء وجمعيات دينية وجهات رقابية تلفزيونية، رافضة لهذا المسلسل درءاً للفتنة
المسلسل الذي كتبه السوري محمد اليساري، ويتولى إخراجه السوري عبد الباري أبو الخير في أولى تجاربه الإخراجية، قوبل بعدد من فتاوى التحريم والآراء الشرعية والرسمية والرقابية، التي منعت تصوير المسلسل، فرأى مفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون، حسب موقع دي برس السوري، إن علينا تشكيل مجمع فقهي من الأخوة السنة والشيعة والزيدية والإسماعيلية، لتطرح جميع الآراء حول هذا الموضوع منعاً لحصول التصادم، الذي شهده فيلم الرسالة للمخرج الراحل مصطفى العقاد،حيث منع عرضه في بلدان وسمح به في أخرى. ومن جهته،أكّد وزير الأوقاف السوري أنّ وزارته لن تسمح بتصوير العمل في سوريا، إذا كان سيُظهر وجهَي الإمامين، أو أيّ وجه لأهل البيت أو لأحد الخلفاء الراشدين أو أمهات المؤمنين.
وهو الرأي الذي يلتقي مع رأي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، الذي ذهب إلى دفع باتجاه منع المسلسل، وذلك درءاً للفتنة، وخوفاً من أن يكون هذا مقدّمةً لتجسيد شخصية الرسول الكريم. وكانت أصوات علماء وجمعيات دينية في دول عربية عدة، منها لبنان والكويت بلد المنتج، قد ارتفعت داعية لمنع تصوير المسلسل، مذكرة بأنه لا يجوز تصوير الأنبياء وكبار الصحابة، استناداً إلى فتوى قديمة صدرت عن الأزهر الشريف في القاهرة.أما وزارة الإعلام السورية، فقد أصدرت بدورها قراراً أعلنت بموجبه عن منع تصوير المسلسل، داعية لجنة صناعة السينما والتلفزيون في سوريا، ونقابة الفنانين، وهما الجهتان المسؤولتان بشكل مباشر على تنفيذ المسلسلات الدرامية، إلى عدم منح الشركة المنتجة الموافقات أو التسهيلات، التي تسمح بتصوير العمل في سوريا.
وكانت الرقابة السورية لنص المسلسل قد رفضت العمل ولم تجزه، بعد أن رأت أن فيه ما يفتح أبواباً للفتنة بين المسلمين، فضلاً عن أنه مليء بالأخطاء والمغالطات التاريخية.
وبينما كانت تتفاعل المناقشات وفتاوى التحريم لمنع المسلسل، كان مخرج العمل عبد الباري أبو الخير يؤكد أنه ينتظر لإجراءات الإداريّة والقانونية والموافقات الدينيّة لمسلسله، رافضاً الدخول في أي نقاش حول التفاصيل، حسب صحيفة الأخبار اللبنانية، التي نقلت إصرار المنتج محمد العنزي على التصوير، ونقلت عنه قوله:( إذا لم نحصل على إذن السلطات السوريّة، سنصوّر في مكان آخر،لأنّ الهدف من العمل إظهار مظلوميّة أهل البيت والتقدير والاحترام للصحابة).
بالمجمل، يبدو أن ردود الفعل الشرعية والرقابية جميعها تدفع باتجاه منع تصوير العمل، وعلى الأقل مسألة منع تصويره في سورية باتت محسومة. وفي وقت تردد عن نية منتج العمل المصرّ على تنفيذ العمل تصوير عمله في تونس، يبدو أن العمل سيواجه منحى آخر من العقبات، فالأصوات الدينية السورية التي ترفض تصوير العمل، هي جميعها معروفة بانفتاحها على الآخر وعلى الحوار وتوجهاتها الحضارية.
وهي أبعد ما تكون عن التعصب الديني الأعمى، وفي ذلك ما قد يضع المسلسل أمام عقبات تخص الجانب الفني من العمل، على صعيد فريق العمل الفني والتمثيلي، حيث يبدو أن المسلسل سيشهد انسحاب عدد من الفنانين السوريين، و منهم الفنان باسم ياخور الذي عرضت عليه شخصيات عدة ليختار واحدة منها.
وعلمت (الحواس الخمس) أن الفنان سامر المصري اعتذر عن تجسيد شخصية الحسين في المسلسل، بعد أن نقل عنه موقع دي برس السوري قوله إنه لم يوافق بشكل نهائي على تجسيد شخصية الحسين وأنه مازال يقرأ النص، و أنه يتابع ما يصدر من فتاوى هنا وهناك.
وخلافاً للمعلومات التي تقول إن مهندس الديكور الشهير ناصر جليلي سينفذ ديكورات العمل، علمنا في «الحواس الخمس» أن المهندس جليلي لن يقوم بتنفيذ العمل.
وكان قد سبق لكاتب العمل محمد اليساري، أن كتب العام الماضي المسلسل البدوي (سعدون العواجي)، الذي أوقفت قناة أبوظبي عرضه لما اعتبر حينها خوفاً من إثارة حساسيات قبيلة.
وهي تخوفات أثارت وقتها انقسامات حادة بين مؤيد لتوقيف العمل وبين رافض، إلا أن ما يواجهه مسلسل الأسباط اليوم يبدو مختلفاً، فما ارتفع من الأصوات حتى الآن هي أصوات رافضة لتنفيذ العمل، أو أصوات تبدي تفهمها لخطورة تناول هذه المرحلة التاريخية، وبالتالي هي ترى أنها تحتاج إجماعاً لتقديمها أو ابتعاداً عنها، وباستثناء منتجه العنزي لم نسمع أي من الأصوات المؤيدة لتنفيذ العمل، أو على الأقل لم يرتفع صوتهاً المؤيد لدرجة نسمعه.
ولعلنا نجافي الحقيقية، حين نربط الإشكاليات التي يثيرها اليوم، مسلسل «الأسباط» بالإشكاليات التي ارتبطت عادة بمسلسلات السيرة، كما فعلت عدد من المقالات الصحافية الأخيرة، فالسيرة هنا في مسلسل «الأسباط» ليست شأناً شخصياً، شهرة أصحابه جعلته شأناً عاماً، وإنما هو في الحقيقية شأن عام بقيمته وجوهره.
ولأنه كذلك يرى الكثيرون أنه لا يحق أن يحصر بوجهة نظر شخصية يمثلها المسلسل، ويذهب الآخرون إلى أن القدسية والاحترام التي نحيط به الرسول الكريم وأهل بيته وصحابته تنتفي مع الخيال الذي يقتضيه أي بناء درامي في المسلسل، ولاسيما أنه، وفق ما أعلن عن توزيع أدوار للممثلين، ينوي إظهار وجه حفيدي الرسول الكريم «الحسن والحسين»..؟!
لا نريد بكلامنا السابق أن نأخذ دور المرجعيات الدينية، أو نمارس ، كإعلام، دور الوصاية على ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون، كما أننا لا نسعى إلى مصادرة ما يعتقده منتج العمل العنزي، ونحترم في الوقت ذاته ما يعتقده الآخرون ممثلاً بفتاوى رجال الدين، ولذلك نحن ننتظر الآتي من الأيام، لتكشف لنا ما سيؤول إليه مصير المسلسل.
دمشق- (لحواس الخمس)


