(هو الذي رأى كل شيء فغنى بذكره يا بلادي).. بهذه الكلمات يبدأ نشيد الإنشاد السومري في الملحمة الكبرى، وهاهو جلجامش يعود من منفاه الإجباري في رحلته الأخيرة نحو الخلود، ليحل ضيفاً مع نساء المعابد السومرية ورموز أرض الرافدين في قاعة (قباب) في أبوظبي عبر معرض البروفسور الألماني العراقي الأصل التشكيلي داوود سلمان عناد، الذي يقدم في (سومر والغرب) حكاية الحضارة العراقية الأولى، وهي تنشر مصابيح ضياءها على أصقاع العالم المظلمة، وهذه المرة نحو الغرب الذي منح السلام والسكينة إلى روح عناد المتعبة بعذابات الوطن.

ويتضمن المعرض ما يقرب من 49 عملاً فنياً، أنجزها التشكيلي داوود عناد عبر تقنيات وخامات وأساليب فنية عدة، وتتألف سلسلة ملحمة جلجامش من 13 قطعة فنية بطريقة الليثوغرافيك التشكيل والرسم والطباعة على الحجر، وتبدأ من لقاء ملك سومر جلجامش بابن البراري (أنكيدو)، والصراع الذي نشأ بين الاثنين.. وتظهر في اللوحات عشتار وحكايات البحث عن الخلود التي رسم دروبها القدر للملك السومري، وصديقه الذي بدأت الحكاية معه كعدو.. وبدأ البروفسور «عناد» بالاشتغال على هذا العمل منذ عام 1980، وأتمه أيام دراسته في جامعة برلين.أما الأعمال الأخرى في المعرض، فهي تقدم منظوراً جمالياً معاصراً لميثولوجيا بلاد الرافدين برؤية حديثة، فهي تستشف من الفن السومري الأول، ملامح الفلسفة الإنسانية.

وتقمص التشكيلي داود عناد لأرواح آلاف المبدعين الذين تركوا خلفهم هذا الإرث الإنساني العظيم، ورؤيتهم الخاصة المختلفة جداً عن رؤية العشرات من الإثنيات التي عاصرتهم أو أعقبتهم على وجه الأرض، حيث العيون تتسع في الأفق لتشرع في رؤية العالم بأكمله، والأجساد التي لا تهتم للتكوين العضلي المادي، بقدر اهتمامها بالتعبير عن الحالة الإنسانية والرؤية الفلسفية الميتافيزيقية للموجودات. واستطاع عناد بحرفيته العالية التي تمتد لأكثر من 4 عقود؛ أن يقيم جسراً روحياً فنياً ما بين حضارته الأصلية السومرية وحضارة الغرب، الذي مهد له الطريق لاستعادة إنسانيته، عبر إقامته ودراسته في ألمانيا، بعد خراب بابل الحديثة.

يقول التشكيلي عناد عن العلاقة الخفية بين سومر والغرب: (إن عدت إلى المنطق فسترى محوراً وقطباً إحادياً في الأرض في العصور المظلمة للبشرية، ومن ذلك القطب الذي تشكل سومر أساسه الأول؛ انطلقت أولى المعارف البشرية وأول الإبداعات الفنية وأولى الحكايات لتعم العالم، وقد أخذت بجزئية واحدة في علاقة سومر بالعالم، هي الغرب لأقول من خلال هذا المعرض:

هذه هي حضارتي الرافدينية الخالدة، ولأرد جزءاً من الجميل إلى الغرب، تحديداً ألمانيا، التي منحتني السلام ومواصلة عملي الفني، ولأضع عبر تقنيات الفن الحديثة وأساليبها خطوط رؤية تقرن الميثولوجيا القديمة بالفن والحضارة المعاصرة، ولا أزال طيلة أكثر من ثلاثة عقود، أبحث عن التأثير السومري في الفن والحضارة الغربية).

رغم أنه يعتبر من جيل الفنانين الكبار؛ إلا أن التشكيلي البروفسور داوود عناد، لم ينل حقه في الكتابة النقدية وتسليط الضوء على أعماله وتاريخه الكبير، فعرفه الغرب وعرفته ألمانيا، ولم تعرفه بلاده أو كتاب النقد الفني في العراق والدول العربية.

وهو يعزو ذلك إلى مزاجية العلاقات الشخصية التي تحكم من يكتب مع الفنانين، وقلة الصدق الفني في الكتابة. ويرى عناد أن الإقصاء والعامل الأيديولوجي أسهما في تخريب الفن التشكيلي العراقي والعربي، فدخلت السياسة في منفعة فنان ومضرة آخر.

أبوظبي - محمد الأنصاري