«يجب أن يكون لديك مصدر الضوء والظل على حد سواء.. استمع؛ ضع رأسك تحت شجرة من الرعب، فتنبت لك أجنحة من ريش حر، وعندها تكون أكثر سكوناً من حمامة».. من قصيدة مترجمة للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي بعنوان فيلاضوء وظللالا اختارتها الفنانة الإيرانية نازيلا كشاورز وزميلتها النحاتة الكندية تيري مجيدي لتكون عنواناً لمعرضهما المشترك الذي أقيم قبل أيام في غاليري فيلاقبابلالا في أبوظبي.

تتخذ تجربة نازيلا كشاورز مشهداً يسير نحو التكامل الروحي، عبر الأسلوب التعبيري؛ فالفن بالنسبة إلى هذه الفنانة مرآة لأفكار وأصوات الروح وفلسفة الوجود عبر الألوان والريشة، وهي في ذلك لا تقيد اللوحة الفنية بمنظور وأفكار مسبقة؛ بل تترك لحركة الريشة حرية التحرك في فضاء اللوحة، تقول التشكيلية الإيرانية نازيلا: (ولدتُ في بلدة صغيرة، بالقرب من مدينة شيراز العريقة بتاريخها وفنونها وحركتها الشعرية والأدبية الممتدة عبر الزمن، وأتذكر ليومي هذا، كيف كنتُ أطارد أسراب الحمام المحلقة فوق حقول القمح البري، وكم أثّرت تلك المناظر فيّ لاحقاً، حتى غدت المناظر الطبيعية وتاريخ المنطقة بمثابة الجسر الذي أتحرك عليه في مسيرتي الفنية).

طيلة 12 عاماً أمضتها نازيلا في مدارس بلدتها؛ كانت تسير مشياً على الأقدام من البيت إلى المدرسة، بينما كانت تحف بها ألوان من سحر الطبيعة وترنيمات الطيور، الممتزجة بأصوات الأذان المنبعثة من القباب والمآذن الفيروزية، التي تشكل بحد ذاتها لوحات وأعمالاً فنية غاية في الروعة. وحين أكملت المدرسة تخصصت في الهندسة البيئية في جامعة طهران، لتنتقل بعدها إلى بريطانيا وتتم الدراسات العليا، ورغم وفودها إلى عاصمة الضباب لندن، إلا أن ذاكرتها الفنية ومشهدية الصور والذكريات التي حملتها عن بلدها لتدونها عبر لوحاتها التي ترى فيها بمثابة قصص عن تلك الذكريات، مرتبطة بجذورها الثقافية وتاريخ شعبها وأرضها، عبر السرد التعبيري الجمالي الناطق في لوحاتها.

ترى التشكيلية نازيلا أن وجودها في أبوظبي، شرع لها أبواب العمل الفني على مصراعيها؛ فتعرفت على عشرات من الأساليب والمدارس الفنية التي اطلعت عليها من خلال مئات من المعارض الفنية التي تقام في إمارة أبوظبي.

وبين شيراز و لندن وأبوظبي، تحلق روح الفنانة نازيلا، من دون أن تنسى صوت جلال الدين الرومي : (استمع للناس كيف يقص حكايته، إنه يشكو آلام الفراق، يقول:( إنني منذ قطعت من منبت الغاب، والناس رجالاً ونساء يبكون لبكائي، إنني أنشد صدراً مزقه الفراق، حتى أشرح له ألم الاشتياق، فكل إنسان أقام بعيداً عن أصله، يظل يبحث عن زمان وصله، لقد أصبحت في كل مجتمع نائحاً، وصرت قريناً للبائسين والسعداء).

إضاءة

منحوتات تيري

بعد تخرجها من كلية الفنون في نيودلهي عام 1991، ولغاية دراستها المتواصلة لفن النحت والرسم في فانكوفر في كندا عام 2004، استطاعت التشكيلية الكندية تيري مجيدي أن تضع بصماتها الفنية في أكثر من مكان في دول العالم عبر ترحالها الدائم وسفرها عبر الأمكنة المختلفة، ما أكسب روحها تعدداً ثقافياً يندر أن يتوفر لفنان، ولعل مكتسبها الثقافي المتنوع هو الذي أضفى على أعمالها في النحت والرسم صورة إنسانية تختزل الوجود البشري بعيداً عن الخصوصية، وتقدم فناً نقياً يجمع في جوهره روح الشرق وتقنية وتفكير الغرب، ولعل المشاهد لحالات النحت المركّب الذي تبدعه تيري يلمس أبعاداً جمالية تجعل من الكائن الذي تشتغل عليه ينطق بحالات العشق والسلام، بعيداً عن حالات الجسد والصورة المادية، فهي تقدم روحاً على شكل منحوتة.

أبو ظبي - محمد الأنصاري