بعد النجاح الكبير الذي حققته الدراما التلفزيونية العربية على صعيد الانتشار، كان لا بد لها من إعادة إنتاج ذاتها ضمن مفاهيم وأدوات فنية جديدة لتستعيد مكانتها، خاصة بعد فترة الركود الذي أصابت بعض الاعمال الدرامية العربية.

لكن الحل الذي لم يتأخر كثيراً جاء عبر الدراما السورية، التي استعان صناعها بخبرتهم السينمائية الطويلة، ليصوغوا لغة جديدة تبنتها بقية الاعمال العربية الأخرى، غير أن الحل الجديد يثير جدلاً بين صناع الدراما العربية عامة. حيث يعتقد البعض أن توظيف اللغة السينمائية في المسلسلات التلفزيونية، يعد إساءة للسينما التي تعتمد على التكثيف، خلافاً للتلفزيون الذي يعتمد على الإطالة والمجانية، بينما يرى البعض الآخر أن الدراما التلفزيونية العربية، حققت نجاحات كبيرة بعد توظيفها اللغة السينمائية ومفرداتها، ويؤكدون أن السوية الفنية في بعض الأعمال الدرامية تقارب ما ينجز في السينما.

يقول المخرج سمير حسين: إن كل عمل فني يستدعي بالضرورة شكلاً فنيا يناسب الموضوع الذي يطرحه.. و المزج بين اللغة السينمائية والتلفزيونية مسألة إشكالية ومثيرة للجدل، ونحن في المحصلة نصور بكاميرا فيديو، وبالتالي التشابه مع السينما مسألة من اختراع بعض الناس تم ترويجها. ويضيف حسين قائلاً: السينما تمتلك قدرة مختلفة تماماً، وشروطها مختلفة عن إنتاج الفيديو، لكن هناك اجتهادات في العمل على كاميرا الفيديو، بدءا من الخروج إلى أماكن طبيعية حقيقية داخل الشارع الحي والفضاء الذي يعيش فيه الناس، وانتهاء باستخدام الكاميرا الواحدة.

ورغم أن حسين يقر بأن «الاجتهادات السابقة» بالعمل على الصورة وتفاصيلها تقرب الفيديو من الشرط السينمائي، لكنه يؤكد بأن ذلك سيؤدي إلى خلق لغة فيديو عالية المستوى وليس سينما.

ويتابع قائلاً: لا شك أنني مع ضرورة أن تقدم الدراما التلفزيونية صيغة حقيقية وإنسانية وطبيعية وقريبة من روح الناس وإيقاع حياتهم، من خلال الخروج للشارع والتصور في الأماكن الطبيعية، لكن ذلك لن ينتج لغة سينمائية، فالعمل السينمائي شرطه مختلف تماماً، وهناك فرق شاسع وهائل في آلية إنتاج، وتنفيذ عمل الفيديو والعمل السينمائي.

من جهتها، تؤكد المخرجة واحة الراهب وجود محاولات جادة في الدراما السورية وبعض الدرامات العربية للتقريب بين الصورة التلفزيونية والسينمائية عبر «الكاميرا المحمولة والإضاءة وعمق الكادر، وأيضا عبر تطوير التقنيات من خلال التصوير بالديجيتال، وتحويله لشريط سينمائي لاحقا».

وتضيف قائلة: الفرق يكمن في أن المادة السينمائية الخام، هي مادة خالدة وفيلمك تستمر مقولته عبر أجيال، كما أنها مختزلة ومكثفة خلافاً لمادة التلفزيون، فهي استهلاكية سريعة، وتتضمن حشو أكبر قدر ممكن من الثرثرة، لتعمل ساعات بث أطول على الشاشة.

ويعتبر الفنان غسان مسعود أن توظيف اللغة السينمائية في الدراما ساهم إلى حد كبير في نجاح الدراما السورية وانتشارها، مشيرا إلى أن المخرجين السوريين الدارسين للسينما، استفادوا من لغة السينما ووظفوها عبر الفيديو أو التلفزيون في صناعة الدراما التلفزيونية، وهذا ما جعل للدراما السورية شأنا وجعلها مختلفة عن الدرامات العربية، وبالتالي أخذت هذا الحضور المتميز في الدراما العربية.

من جانبه، يؤكد المخرج يوسف رزق أن أهم أسباب نجاح الدراما السورية، هو محاولتها تقديم لغة سينمائية ضمن مسلسل تلفزيوني، إضافة إلى تنوع وعمق الموضوعات التي تطرحها، إلى جانب الطبيعة الجغرافية المتنوعة في سوريا، ووجود جيل جديد من المخرجين قادر على المنافسة.

ويضيف قائلاً: العمل السوري في المرتبة الأولى عربياً منذ 6 سنوات وحتى وقتنا الحاضر، وأصبح الفارق بين العمل السوري والأعمال العربية كبيراً، وقد تحتاج الدراما العربية لجيل كامل لتستطيع منافسة الدراما السورية، وهذا الأمر كان موجودا في الدراما السورية، حيث بقينا 20 عاماً، حتى استطعنا أخيرا منافسة الدراما المصرية.

ويقول المخرج غسان سلمان: إن شروط الإنتاج السينمائي تختلف عنها في التلفزيوني، فقد يستغرق تصوير فيلم روائي طويل من تسعين دقيقة ستة أشهر، بينما لا تتعدى مدة تصوير مسلسل من ثلاثين حلقة ثلاثة أشهر، مؤكدا أن ذلك يؤثر على جودة الصورة والصوت وأداء الممثلين.

ويضيف قائلاً: التصوير السينمائي قائم على الارتسام الضوئي للصورة، فكاميرا السينما ترى ما تراه العين من لون وكتلة، بينما يقوم التسجيل التلفزيوني على الارتسام الإلكتروني، الذي يقلد اللون ولا كتلة له، بحيث يعطيك صورة مسطحة لا عمق فيها وغالباً ما نلجأ إلى الحيل المهنية لإظهار عمق في تكوين الكادر.

وفي المقابل، يؤكد المخرج سامر برقاوي أن نجاح الدراما التلفزيونية السورية دفع العديد من المخرجين السوريين إلى الإخراج السينمائي، مشيرا إلى أن الأعمال التلفزيونية الموجودة ترقى إلى المستوى السينمائي بفضل التقنيات الفنية الكبيرة المستخدمة في التصوير.

ويقر برقاوي بأن الإخراج السينمائي يحتاج إلى جهد أكبر و الاهتمام أكثر بالتفاصيل الصغيرة، لأن المخرج يتعامل مع شريحة محددة من الناس، وهذا يتطلب زمنا طويلا، في حين تسقط هذه الاعتبارات في التلفزيون لأن شريحة المشاهدين غير متناهية.

ويشدد برقاوي على ضرورة أن يقدم المخرجون الشباب شيئاً جديداً للدراما السورية، من خلال البحث عن حلول بصرية جديدة، وتفعيل تقنيات الصوت بشكل أفضل، مع ضرورة الابتعاد عن «المراهقة البصرية»، التي تعني البحث عن زوايا بصرية جديدة، بمعزل عن بقية العناصر الأخرى.

ويراهن المخرج الفنان فراس دهني في تجربته الجديدة «شتاء ساخن» شكلاً ومضمونا، على أن هناك إمكانيات هائلة تتيحها السينما للعاملين في التلفزيون، وربما يحتاج الوقت إلى تجربة عملية، حتى يتم الكشف عن اقتراب أكثر وتوأمة بين السينما والتلفزيون.

دمشق- حسن سلمان