لم تستطع السينما منع التلفزيون والعاملين فيه، من الخوض في تفاصيل اللعبة السينمائية والاستفادة منها، على نحو يظهر قدراً كبيراً من جماليات المشهد التلفزيوني.

ولم تشهد السينما في العالم العربي على وجه التحديد ولاء من قبل المخرجين والفنيين العاملين فيها، بل سرعان ما تم كسر الحظر الذي فرضه السينمائيون أنفسهم ليسرعوا باتجاه العمل الدرامي التلفزيوني، بعد أن لاحت في الأفق أموال الدراما التفزيونية، وتراجع الإنتاج السينمائي من قبل القطاع العام والقطاع الخاص على حد سواء.وسبق للمخرج السوري هيثم حقي القول: إن العمل التلفزيوني مشغول بفنيات سينمائية وبتفاصيل المشهد السينمائي.. ومع تطور التقنيات، أصبح هذا الأمر واضحاً، التفاصيل موجودة وبوضوح في العمل الدرامي المتقن. وأشار حقي إلى قضية الشكل والمضمون في العمل الدرامي التلفزيوني، وانحاز باتجاه مقولة رائد الفن الروسي سيرغي ايزنشتين «الشكل مضموني»، وفي الدراما التلفزيونية كالسينمائية، لا بد من العمل على رفع سوية الشكل عبر المضمون الذي يتيح ذلك.

وأمام التزام حقي بهذه المقولة وتنفيذها في أعماله، ونجاحه في الأعمال التي قدمها تباعا، برز اسم المخرج نجدة أنزور مع مطلع التسعينات ليؤكد في تصريحات نارية أن الدراما التلفزيونية في العالم العربي متخلفة، وتعتبر اذاعة متلفزة، نافياً الشكل الفني عنها، ودعم وجهة نظره من خلال عمله نهاية رجل شجاع، الذي سجل فيه صورة فنية جديدة في الدراما السورية والعربية على حد سواء.

ويبدو أن أنزور استطاع الحصول على مشهد جديد قائم على الشكل، ولكن سرعان ما انضوى هذا الأمر، وهو يخفق في الحصول على مضامين نوعية لمشروع الصورة، الذي بدأ فيه، ما يعيد الكرة الى ملعب حقي، وبأن الشكل لا يحمل العمل الفني إلا من خلال المضمون.

وفي الوقت الذي انشغل فيه الوسط السوري بهذا الأمر، برز اسم المخرج حاتم علي الذي مر في البداية بهدوء في فيلم تلفزيوني بسيط، وقد توج حينها بذهبية مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، ويبدو أن حاتم أراد أن يقدم صورة جديدة مدعومة بسلاح الكلمة والمشهد المدروس بعناية، وربما استطاع استخلاص ما قدمه أنزور وحقي في آن معاً، ليخرج مشهداً فنياً لافتاً في العالم العربي.

ولكن دخول حاتم في مجال السينما، لم يكن موفقاً كثيراً، فقد أخفق فيلمه الأول عشاق في تقديم حضور مواز لما حققه في التلفزيون، والجماليات السينمائية التي استخدمها هناك.

وربما خصوصية هذه التجربة، لم تجعل حاتم علي ينجح في تحويل مسلسله أحلام كبيرة إلى تجربة سينمائية باسم عشاق.. وبعد ذلك بزمن، قدم حاتم قراءة جديدة لمسرحية الأخوين رحباني هالة والملك في فيلم بعنوان سيلينا الذي أعلن عن بدء عرضه قبل فترة قصيرة. والفيلم الجديد لا يمكن اعتباره انجازاً سينمائياً مهماً للمخرج السوري، على الرغم من ان امكانيات كبيرة وضعت فيه، ولكن لا يبدو بريق حاتم علي موجوداً في هذا الفيلم، بل شاهدنا مخرجاً مختلفاً، يمتلك حرية التصرف في مكان ضيق.

وقد يكون هامش الحرية الذي وسعه حاتم علي فنيا وفكريا في التلفزيون، قابله اسر سينمائي بل سجن لا يحفل بحلول بصرية لافتة، وهنا ربما كانت المعارك الحقيقية عنده، هي الدراما التلفزيونية التي قدم إليها مفردات العمل في السينما.

وبينما قدم المخرج باسل الخطيب تجارب تلفزيونية، على خلفية دراسة أكاديمية فيها الكثير من روح العمل السينمائي، يبرز المخرج التونسي شوقي الماجري اسما قدم تجارب لافتة في الدراما السورية، ويبدو الرهان صعباً على العمل في التلفزيون بمفردات السينما، من خلال بناء المشهد وإيقاعه الذي اعتمده الماجري.

وعلى الرغم من نجاح مسلسل أسمهان في صيغته الفنية، إلا أن مشكلة في ايقاع معظم المشاهد كان حاضراً ، وهذا الأمر لا يبدو واضحاً في تفاصيل المشهد التلفزيوني عند حاتم علي.

وعلى العموم، تبدو أنظار السينمائيين شاخصة باتجاه التلفزيون، الذي نافس السينما، وأخذ منها مفرداتها، ولكنه لم يقترب من روحها، وهذا ما تراهن عليه السينما في علاقتها مع مختلف الفنون الأخرى.

دبي - جمال آدم