تعد السينما الفن الأكثر التصاقاً وقرباً من موضوع الخيال والترويج له، سواء لأسباب علمية بحتة أم تجارية ربحية، وتقدمه كحقائق ثابتة وجزء لا يتجزأ من الواقع اليومي، وبمعنى شامل فإن السينما عبر هذا النوع من الخيال، تحاول نقل المشاهد معها خطوة أو أكثر إلى الأمام، لكي يصدق ما لم يره، إلا على الشاشة ويتعامل معه كتعامله مع أي من مفردات حياته القائمة.

ويتوقف نجاح ذلك على جملة معطيات كالتقنية والإخراج والمضمون والأداء والمؤثرات ودقة الغرافيك ومنطق الخيال، خصوصاً إذا اعتمد على سرد علمي أو نظريات واضحة المعالم والتفاصيل، قد تكون حقيقية أو افتراضية لما سوف يكون. ربما يشكك البعض في تأثير هذا النوع من الأفلام في العلم الحديث، لكن الذي لمسه الجميع، أن كثيراً من إنجازات العلم العديدة،التي باتت جزءاً عادياً من حياتنا اليومية، إنما كانت من وحي أفلام الخيال العلمي وإبداعاته. «مات ستيفن» مصمم المؤثرات والخدع الخاصة، الذي له أيضا أكثر من مائة كتاب ومقال في مختلف فروع العلوم، يبرز حقيقة أن أجهزة الهاتف المحمول التي نستعملها كل يوم، إنما كانت من وحي الخيال العلمي، وهي تشبه جهاز الاتصال الذي استخدم في سلسلة «ستار تريك» التلفزيونية الخيالية. وهذا صحيح، فمخترع الهاتف المحمول الدكتور مارتن كوبر يعزو اختراعه إلى جهاز «تي إس للاتصالات» في «ستار تريك».

ولا شك أن أجهزة كثيرة أخرى مثل جهاز تحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية، وتحديد الحركة عبر شرائح موجات الراديو وغيرها.. إنما ظهرت أولا في أفلام الخيال العلمي. وكذلك السفر عبر الفضاء، الذي طالما كان من المواضيع المفضلة، لمؤلفي الخيال العلمي منذ القدم. ساهم في رحلات الفضاء والذهاب إلى القمر والمريخ.

ولم تقف الثورة الرقمية منذ ظهورها عند حد، فهي تتجدد يومياً، سواء في تكنولوجيا الآلات أو الحيل التي يمكن توظيفها بتلك الحيل، وهو ما ظهر جلياً في الحيل السينمائية حالياً.

فهناك الأفلام التي استخدمت فيها حيل «الزلزال» وكأنه الحقيقة، كل أفلام الخيال العلمي الذي خلق عوالم غير واقعية. ولعل «الهاوية» هو الفيلم الأول الذي استخدمت فيه حيلة الصور المخلقة من الكمبيوتر لمخلوقات فضائية.

وهناك الدوبلير الكمبيوتر الذي يوظفه المخرج بدلاً عن الممثل في المشاهد الخطيرة. ويأتي «المبيد ـ 2» الأشهر بين هذه الأفلام، إذ بدت معه الحيل السينمائية بالكمبيوتر عالية التوظيف، علماً أن فكرته تعتمد على مخلوق من مادة ذكية، تتشكل بأشكال مختلفة ومتعددة، وهو ما أتاحها الكمبيوتر بسهولة.

ويمكن القول إن الفيلم الأول في مجال سينما الخيال العلمي هو الذي أخرجه (جورج ميليس) عام 1902، وهو فيلم صامت مدته ست عشرة دقيقة، وقد استوحى قصته من روايتي (من الأرض إلى السماء) للكاتب جول فيرن، و(رجال القمر الأوائل) للكاتب ه. ج. ويلز. وقد اظهر الفيلم المعارك بين القادمين من الأرض وسكان القمر، وكانت أجواء القمر التي ظهرت شبيهة بالصور المنقولة حالياً، من خلال مركبات الفضاء الدائرة، حول هذا الكوكب القريب من الأرض.

وتتابعت سلسلة أفلام الفضاء والخيال العلمي، فظهر (الشيء) عام 1936، و (20 مليون ميل عن الأرض) عام 1957، ثم (آلة الزمن) عام 1961، وفي عام 1968 اخرج ستانلي كوبريك فيلمه الشهير (2001 أوديسا الفضاء) الذي تميز كأفضل فيلم علمي خيالي أنتج في الستينات..وظهرت تباعاً أفلام أخرى..

مثل (حرب النجوم) لـ «جورج لوكاس» الذي تحدث عن احتمال حدوث حرب فضائية، بين الكائنات التي تسكن الكواكب.. ثم (اللقاء من النوع الثالث) الذي يتحدث عن طبق طائر هبط في منطقة من الأرض وأجرى لقاء مباشرا مع سكانها، بينما تحدث فيلم (اسولاريس) لاندريه تاركوفسكي عن المشاكل البيولوجية والنفسية التي يمكن أن تحدث لرواد الفضاء.

ولاحقاً.. صارت أفلام الخيال العلمي توجها جديدا في الإنتاج، فظهرت أفلام (إي تي)، و(سبايدرمان)، و(الرجل الوطواط)، و(العملاق الأخضر).. وحديثاً (المراقبون) وسلسلة (رجال إكس)، و(ستار ترك)، وانتقلت العدوى إلى التلفزيون، وتسابقت شركات الإنتاج على تقديم مسلسلات تتحدث عن عوالم فضائية بعيدة. وقد نشطت فعاليات الخيال العلمي حتى في الصحافة، حيث تنافس الكتاب في نشر القصص والروايات المسلسلة في مجلات متخصصة، حتى أن بعض المجلات العلمية اختصت تماما بالخيال العلمي مثل المجلة الأميركية العريقة (مجلة الخيال والخيال العلمي).

وهكذا، اثبت الزمن أن العديد من روايات الخيال العلمي، لم تكن مجرد اختلاقات مسلية بل تنبؤات علمية، تحققت فيما بعد.. فمن يدري إلى أين سيأخذنا هؤلاء الحالمون، الذين نظروا ذات ليلة إلى النجوم فرسموا بخيالهم، ثم بسواعدهم الطريق إليها.

وكما كان الخيال العلمي سباقا في ثورة المعلومات والثورة الذرية وسباق الفضاء، فلا شك أنه سيواكب ثورات علمية أخرى لا تقل خطورة مثل ثورتي الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي، وحتى تقنية التصغير. ونحن في انتظار ما يخبئه لنا المستقبل من مفاجآت.