من خلال فن السينما الممتع والمبهر، نستطيع أن نمزج الواقع بالخيال، في علاقة تتطور وتتشابك، حيث يدخل الاثنان معاً إلى سباق لا ينتهي، فكلما فكر السينمائيون، شغل العلماء مخيلتهم، لتتفتح آفاق جديدة للتخيل بالعلم، وتخرج على الناس إبداعات جديدة تثير الدهشة والتساؤل، ترى أي مخيلة جبارة كانت وراء هذه الفكرة، وأي تقنيات متطورة، رصدت من أجل تجسيد مثل هذا التخيل.

لعل المسافة بين بداية هذه القراءة والانتهاء منها، تشهد تغيراً وإضافات في هذا المجال يصعب تصورها، والإنسان سعيد بهذه العلاقة، وهي بالنسبة له أشبه بلعبة المتاهات الغامضة، لذا يتوغل دوماً فيها، مع اختلاف واحد، أنه صاحب مفاتيح التخيل.وهو المستهلك الأوحد لكل ما يبدعه، والمستفيد الحقيقي من تطور العلوم واستنباط المعرفة، حتى وإن كانت قاسية ومؤلمة، المهم أننا من خلال الفن نصفق لها حتى لو اكتشفنا مدى الخدعة التي نعيشها، وفيلم نوينغ Knowing وترجمة عنوانه مجازاً إلى معرفة أو رؤيا أو نبؤات، كون الكلمة الإنجليزية تتضمن أكثر من معنى في اللغة العربية، صفعنا بأكثر من حقيقة، انتبهنا لها كثيراً، وامتلأنا بالنشوة والمتعة أكثر.

بدأت صالات السينما المحلية في أنحاء الإمارات كافة وبعض المدن العربية، ومنها القاهرة وبيروت هذا الأسبوع عرض الفيلم، وهو عمل جديد للممثل الأميركي نيكولاس كايج، ويطرق فيه فنون الخيال العلمي الدرامي، كنهج جديد أراد من خلاله، كيج، أن يكسر رتابة أدواره السابقة، في محاولة منه لإثبات كونه قادراً على إيجاد جماهيره وجذبهم وإثارتهم. فيلم الكوارث الجديد حقق أكثر من 6,6 ملايين دولار ورفع إجمالي عائداته في أسبوع عرضه الرابع داخل أميركا إلى 68 مليون دولار، لكن يبقى السؤال المهم بالنسبة لجماهير نيكولاس كايج في هذه الفترة المهتزة من مسيرته كممثل: هل يكسر هذا الفيلم حاجز المئة مليون دولار؟

فيلم Knowing يقوده بروفيسور جون كوسلر أستاذ مادة الفيزياء والمتخصص في مسائل الفضاء والطبيعة يلعب دوره (نيكولاس كايج)، ومع أنه غير قادر على التدخّل لمنع الكوارث التي ستقع وتقضي على البشرية في كل مكان، ينجح في تجنيب مستقبل البشرية العدم كاملاً، عندما يوافق على انتقال ابنه (كالب) والفتاة (آبي) إلى العالم الآخر مرشّحين للتناسل، وصنع حياة ربما تكون أفضل من تلك التي عاشها الإنسان على سطح الأرض.

يستند الفيلم إلى قصة سينمائية لمخرجه أليكس بروياس بالتعاون مع الكاتب السينمائي راين دوغلاس بيرسون، وباشتراك أربعة كتاب سيناريو آخرين، وتدور أحداثه في مدينة بوسطن الأميركية، وتطرح سؤالاً فلسفياً قديماً.

وهو: هل الكون حتمي أم عشوائي؟ وهل كل شيء مقرر بقضاء وقدر، أم أنه مجرد سلسلة من الصدف أو الحوادث العرضية؟ وهل الحياة عشوائية من غير هدف، أم أنها مبررة ولا سلطة للمرء عليها؟ وهل العلم وحده من دون الدين يكفي لمواجهة نهاية العالم؟

تبدأ القصة بالكشف عن كبسولة زمنية، وضعت تحت حجر الأساس لمبنى مدرسة (وليام دوز) الابتدائية في العام 1959 بمناسبة تأسيسها، ويتم فتح هذه الكبسولة بعد 50 عاماً في العام 2009.

ومع أن فكرة الكبسولة الزمنية تتعلق عادة بوعاء مغلق يشتمل على سجل تاريخي يحتفظ بمقالات وتسجيلات للعلماء والدارسين في المستقبل، فهي تحتوي في هذه الحالة على رسوم وضعها تلاميذ المدرسة الابتدائية عند تأسيسها، ويتم توزيع هذه الرسوم على تلاميذ المدرسة الجدد عند فتح الكبسولة في العام 2009.

ويحصل التلميذ كالب (الممثل الطفل شاندلر كانتربيري) على إحدى هذه الأوراق ويأخذها معه إلى منزله، ولكن يتبين أن ورقته لا تشتمل على رسوم، بل على سلسلة من الأرقام العشوائية، كتبتها طفلة تدعى لوسيندا (الممثلة الطفلة لارا روبنسون) على ورقتها قبل 50 عاماً بدلاً من تزيينها بالرسوم، وندرك قدرتها على القيام بالعمليات العقلية الخارقة، وتعرضها لسماع أصوات كهمسات تحيطها من خلال أشخاص، يظهرون على فترات طوال أحداث الفيلم، تحيطهم هالات من نور، دلالة على أنهم ليسوا بشراً بل مخلوقات من كواكب أخرى.

ويستطيع والد كالب جون كوسلر، وهو أستاذ الفيزياء الفلكية بمعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا اكتشاف أن هذه الأرقام ليست عشوائية، بل هي مرتبة حسب نمط علمي ذي أهمية تاريخية، حيث ان هذه الأرقام تنبأت بتواريخ ومواقع وعدد ضحايا كل كارثة وقعت في العالم على مدى 50 عاماً، منها مثلاً، أحداث 11 سبتمبر، وانفجارات أوكلاهوما، وإعصار كاترينا، وبقي منها ثلاث كوارث يتوقع وقوعها في المستقبل القريب.

ويتأثر الموقف العلمي للأستاذ الجامعي بما رآه، ويقتنع تبعاً لذلك بأن الحياة حتمية وبأن ما يحدث هو نتيجة لعوامل مستقلة عن الإرادة الإنسانية. وبقدر من الجهد يدرك أن تلك الأرقام المتبقيّة، ليست سوى تنبؤات لكوارث تقع في المستقبل القريب، وإحدى تلك الكوارث تبدأ في اليوم التالي.

كما تشير الأرقام، حين تهوي طائرة ركّاب في مكان قريب لطريق سير سريع للسيارات، التاريخ ليس العنصر الوحيد المحدد، بل رقم الموقع وعدد الضحايا، مع إبداع الصورة في نسج وتجسيد بشاعة تدمير الطائرة وضحاياها، الذي يقف كوسلر أمامه عاجزاً عن المساعدة أو الإنقاذ. الكارثة الثانية يحاول التحذير منها: عملية إرهابية في مترو نيويورك وبالتحديد في محطة مانهاتن، وتقع بالفعل وينتج عنها مئات الضحايا، في صورة أكثر رهبة وتأثيراً لتفاصيل التدمير الذي يشمل الأماكن والبشر. أما الكارثة الثالثة.

والتي توضح نهاية العالم المرتقبة، ولا يستطيع فعل شيء لإيقافها، تعلن عن شهب من الشمس انفصلت، وهي في طريقها إلى دمار الأرض، ولكن ما حيره أكثر أن نهاية الرسالة لم تحدد عدد الذين سوف يموتون، وكتب مكان العدد حرفي ، ليكتشف بعد ذلك أن معنى Every One Else, أي الجميع!

يثير الفيلم هذه التساؤلات في إطار قصة من الخيال العلمي. ويقود ذلك الأستاذ الجامعي كوسلر إلى رفضه لما كان يؤمن به على أسس علمية، وتقبله لما هو متعذر تعليله.

ويتأكد هذا الاعتقاد لديه عند اكتشافه للشابة ديانا (الممثلة روز بيرن) ابنة الطفلة لوسيندا، ثم اكتشافه للطفلة آبي حفيدة لوسيندا والتي تملك هي وابنه كالب خاصية سماع الهامسون وتحذيراتهم. ويرى أن هاتين الفتاتين تواصلان القيام بدور أساسي وحاسم في هذا السيناريو المتشابك، خصوصاً عندما تعلن ديانا أن والدتها تنبأت بوفاتها، ورفضها لقدرات والدتها وإلصاق تهمة الجنون العقلي بها.

نجح المخرج أليكس بروياس خلال ساعة وخمس وخمسين دقيقة، في تقديم فيلم خيال علمي يحتوي على سلسلة متلاحقة من الإثارة والتشويق التي تشد المشاهد، مستخدما أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا المؤثرات خصوصاً في مشاهد الكوارث التي صدمت المتفرج بدقتها وبشاعتها. وتميز الفيلم المليء بالأسرار والطلاسم والغموض، ببراعة التصوير والموسيقى التصويرية والمونتاج الذي ساهم في سرعة الإيقاع وإثارته، وتركز ذلك في مشهد النهاية عندما يأتي الانفجار الشمسي ويبيد كل حي على هذه الأرض.

القاهرة - أسامة عسل