كان كوقع الصدمة، على الوسط الفني والمتابعين لمجرياته في مصر، ما أثير أخيراً حول الفيلم السينمائي «واحد صفر»، من اتهامات وجهت إلى صانعيه، وتكمن خطورتها بأنها تدور حول تشويه الأديان، و اللغط في مضمون الدين المسيحي، والتحريض العلني على تغيير الدين، و الانحراف الديني.. وهذه الاتهامات جميعها وجهت إلى أبطال الفيلم وكاتبته ومخرجته.
وقبل الغوص في صحة هذه الاتهامات، ومصدرها ومدى صحتها ، ومطابقتها بالعمل السينمائي، نستعرض صورة سريعة لرأس المشكلة وهو العمل الفني ذاته «واحد صفر». يعود بنا هذا الفيلم إلى أحداث اليوم الواحد في السينما، فقصة الفيلم تدور من خلال شخصيات متقاطعة عدة، لا يربطها سوى خط هلامي ضعيف جدًا في الحياة، يجتمعون يوم مباراة مصر والكاميرون الأخيرة، التي فازت بها مصر في بطولة كأس الأمم الإفريقية واحد - صفر، ومن هنا يأتي معنى عنوان الفيلم. أما شخصياته التي هي سبب رئيسي في الجدل الدائر، فهي سيدة مسيحية من طبقة راقية تنفصل عن زوجها بقرار من الكنيسة، التي وهبت زوجها حق الزواج مرة أخرى، لكنها منعتها هي من هذا الحق، نظراً لطلبها قرار الانفصال، ولكن تلك المرأة ، التي تريد استكمال حياتها كأنثى بشكل طبيعي ومشروع، لا تستطيع الزواج من جديد بشخص آخر تحبه، لأن القوانين والأعراف تعوق تلك الرغبة، ولا تجد لها سبيلاً في أن تحيا بشكل طبيعي سوى أن تمارس معه الرذيلة حتى إشعار آخر ،يجمعها ومن تحب في شكل شرعي واجتماعي متعارف عليه.
وتظل على هذا الأمر إلى أن يقدم لها محاميها اقتراحاً، إما أن تغير ديانتها، أو ترفع دعوة قضائية على الكنيسة لتنال التصريح الخاص بمواصلتها الحياة من جديد. «نيفين» .. والتي تجسدها إلهام شاهين هي الشخصية الرئيسية في الفيلم، بل هي المشكلة الأساسية التي انصب عليها غضب بعض المعارضين لقصة الفيلم، والذين اتهموا الفيلم بالتحريض وإساءة الدين المسيحي.. لم تكن هذه الشخصية هي الوحيدة في هذا العمل التي لم تجد لها سبيلاً لكبت شهواتها الطبيعية كأنثى بممارسة الرذيلة؛ فهناك شخصيات أخرى لا تقل أهمية في ترابط الأحداث، اتخذت خطاً موازياً لأفعال نيفين، ولكن مع اختلاف الدوافع والظروف المحيطة، فوجدنا شخصية مثل شخصية الأم التي هجرها زوجها منذ سنوات طويلة، والتي تعمل لدى سيدات المجتمع كخادمة لجمالهن وأنوثتهن، تلك المهمة التي تحولهن إلى نساء بمعنى الكلمة.
ونجد بين طبيعة عمل هذه الأم وحياتها تناقضا كبيرًا، وطاقة أنثوية كبيرة تفرغها في زبائنها هرباً من حياة الكبت، التي تعيش فيها دون وجود زوج في حياتها، والتي قامت بدورها الفنانة انتصار التي أجادت ببراعة تحسب لها كممثلة شاملة. كل هذه المشاعر ترجمتها لنا شخصية الأم بصمت حوارها وبراعتها في تجسيد الحوار الصامت بتعبيرات وجهها وانفعالاته المختلفة. ووضعت طبيعة عملها بينها و بين أنوثتها جدارًا قويًا جعل منها شبه آلة أكثر منها إمرأه وأم؛ فهي أم لابن عاق يعمل في أحد صالونات التجميل، ويحب فتاة من فتيات الفيديو كليب، لكنها تخونه مع منتجها الذي يدعمها فنياً .. لم يبرز لنا الفيلم مدى قوة العلاقة بينهما بل أحاطها بتهميش مثلها مثل أي علاقة بين رجل وامرأة تنتهي علاقتهما بالخيانة..
وبالقرب من تلك الشخصية توجد زاوية أخرى، من شخصية أختها التي ترفض مساعدة مبنية على جسد أختها، نيللي كريم أوحت لنا في بداية الفيلم من خلال تجسيدها لشخصية فتاة تقية ترتدي ثيابَا يصل إلى حدود الحشمة ببعض الغموض حول تحركاتها وهي فتاة تتنقل من منزل إلى منزل حاملة بيدها حقيبة صغيرة، حتي ينكشف تدريجياً، أنها تعمل كممرضة..
تعجب بشاب يعمل في أحد المطاعم الفقيرة، وحين يتواعدان بعد محاولات فاشلة يسقطان فريسة لشهوات أحد أمناء الشرطة، الذي يطمع بها في الطريق العام، وينتهي بهم المطاف داخل قسم الشرطة بتهمة فعل فاضح في الطريق العام؛ فهي شخصية مناقضة لشخصية الأخت التي قامت بدورها زينة التي تعمل مطربة في الفيديو كليب؛ فهذا نموذج موازٍ لشخصية «نيفين» السيدة المسيحية، إذا رأينا أن الفيلم لا يتحيز أو يتعرض بشكل عنصري لأحد الأديان أو تصنيف جريمة الانحراف على معتنقي ديانة دون أخرى.
ولكن الثورة التي أقامها بعض الأقباط ضد أحد مشاهد الفيلم وهو حوار البطلة مع محاميها حول شرعية زواجها من جديد، هو جدل جديد للسينما المصرية، لم يسبق وأن فتحت ملفاته كثيراً، فإثارة مشاكل يتعرض لها المجتمع المسيحي، ظلت مخفية علينا وغير معلنة، فالمعالجة أو عرض المشكلات، لا يعتبران إساءة لفكر أي دين، بل إن جوهر أي دين يدعونا إلى مواصلة النقاش، وإثارة المجادلة باستمرار.
ووفق ما يراه بعض النقاد، فقد تناولت العديد من الأفلام منذ صناعة السينما إلى الآن الكثير من القضايا المتعلقة ببعض الأمور الاجتماعية في الدين الإسلامي، وأهمها قضايا العنف والتطرف باسم الدين، فلماذا هذا التعتيم عن حياة مثل هذه النماذج التي تمثل شخصية نيفين واحدة منها.. أو محاولة فتح باب النقاش في الدين، بالرغم من أن ما يعرضه الفيلم مشكلة حقيقية وموجودة ومنتشرة في المجتمع؟
وتقول مخرجة الفيلم كاملة أبو ذكري إنها كمخرجة من حقها التعرض لأي موضوع سواء بالعرض أم النقد من خلال عملها الفني، طالما لا يمس الذات الإلهية بسوء، ويبقى الحكم في النهاية للمشاهدين.
وتضيف أنها قدمت في هذا الفيلم واحدة من المشكلات الإنسانية والاجتماعية في المقام الأول، وهي مشكلة موجودة بالفعل حولنا، قدمتها من خلال امرأة متدينة ومتمسكة بدينها ، رغم الضغوط التي تحيط بها وتمنعها من مواصلة حياتها الطبيعية مع رجل آخر؛ ففي العقيدة المسيحية كان من قبل لا يسمح بانفصال الزوجين عن بعضهما، ونتيجة لتطور المجتمع، وتغيير مفاهيم العلاقات الإنسانية بين الناس عملت بعض المؤسسات الدينية إلى إعطاء الحق بانفصال الزوجين عن بعضهما، وإعادة بناء حياتهما من جديد؛ فلماذا لا نتعرض لمثل هذا التغيير في السينما، خصوصًا الجانب الذي يخص المرأة.. أليست هي نصف المجتمع ولها الحق في الحياة مثلها مثل الرجل؟
وختمت كاملة أبو ذكري حديثها بالقول:لالاإن السينما لا تقوم بدور الإصلاح ولا توجيه الدروس لأحد، لكنها فن يحاول أن يشير إلى مناطق معينة من جسد المجتمع يتألم فيها البعض، ولو وجدنا لها حلا يكون شيئاً مثمراً ودوراً فعالا للعمل الفني، لكنه غير أساسي؛ فإيجاد الحلول ليس هدفنا الأول، لأننا لسنا جهة حل مشاكل أو إصدار قوانين أو فتاوى.
اسم الفيلم: فيلا «واحد صفر»
بطولة: إلهام شاهين، وخالد أبو النجا، وانتصار، ونيللي كريم وزينة
سيناريو: مريم ناعوم
إخراج: كاملة أبو ذكري
تصوير: نانسي عبد الفتاح، محمود تيمور
مونتاج: منى ربيع
ديكور: أمير عبدالهادي
سنة العرض: عام 2009.



