أم تسكنها ملامح حب وحنان وتقدير لا تحصرها حدود العائلة، وابنة تحفظ لوالدتها وأبيها وأشقائها أقدس جمل التقدير والاحترام بتعابير مسكونة بالمودة والطيبة؛ هذا في الواقع.. وفي التمثيل ترى الوجه الآخر المختلف كلياً والمفاجئ بكافة تفاصيله.
الحدث كان فيلماً سينمائياً إماراتياً جديد الفكرة والطرح والمعالجة، حمل اسم الغرفة الخامسة، وتدور أحداثه حول أسرة خليجية تنتقل للعيش في بيت بالإيجار، فيطارد أفرادها الهلاك والدمار بسبب الجن، وفي الفيلم معان وقيم إنسانية ودينية عديدة، تجسدت في دور أتقنته الفنانة الخليجية منى عبدالله، والفنانة الإماراتية فرح الشريف، في دوري أم فارس وسارة.
في الفيلم يروي المخرج الإماراتي الشاب ماهر الخاجة، علاقة أمومة غير مكتملة، حيث تتمكن أم فارس الثرية التي لا تنجب من الاقتران بشاب أصغر منها، فتلجأ إلى تبني طفلة لقيطة وتربيتها، وفي هذه الأثناء يحدث الحمل ويأتي فارس من لحمها ودمها، فيما سارة اللقيطة تعيش تحت قسوة كلامية ولفظية لا تتوقف، وهو ما يحملها لاحقاً إلى مرافقة درب الجن، لملء فراغ في علاقة الفتاة مع أسرة لا تحمل لها ملامح الولاء والانتماء.
وفي الفيلم تتعامل سارة عندما تكبر مع أمها، أو بالأحرى التي تبنتها من دار الأيتام، بقالب لا إنساني، حيث تلجأ هي والجان إلى الانتقام من عائلة لم تحفظ لها مكاناً بين أفرادها، ربما كانت سارة ترتضيه، ويحدث ما يحدث من مواقف مؤلمة تكسوها المعاناة، وفي النهاية تضطر أم فارس إلى التخلص من ابنتها اللقيطة وقتلها لتزهق معها روح الجن التي أتت على كل شيء في البيت وأحالته إلى الهلاك.
وفي الحقيقة، تبقى الأحداث مختلفة، وقد كان لـ الحواس الخمس السبق في معرفة أن أم فارس الأم المفترضة، وسارة الابنة التائهة، هما أم وابنة في ظرف الواقع، تعيشان معاً في ود واحترام وتفاهم يصل غالباً إلى حدود الصداقة، كلتاهما خاضتا تجربة التمثيل السينمائي للمرة الأولى، وأتقنتا أدوارهما إلى حد الاحتراف، وذلك بشهادة جمهور سينمائي خليجي واسع، حيث كان العرض الأول للفيلم خلال مهرجان الخليج السينمائي الثاني.
الفنانة منى عبدالله، ومعها ابنتها الشابة فرح الشريف، تحدثتا إلى الحواس الخمس عن تجربة تمثيلية مختلفة، جمعت الأم والبنت في حالة غير متوقعة، حملت في طياتها أشكالاً متعددة من العقوق والحرمان، وتراءت للجميع في ملامح أوسع من العبرة التي سعت إلى تجسيدها الأم والابنة.
فرح وأمها تعبران عن حالة خاصة تتوافق تماماً في رغبة تمثيلية تعتريهما منذ الصغر، فعائلة الأم تنحدر نسبياً نحو أصول فنية، وكذلك الحال مع الابنة التي تهوى الفن والرسم والرياضة والكوميديا إلى حد بعيد، وبالتالي كانت الفرصة مواتية لالتقائهما في عمل سينمائي لا يخلو من الآكشن والكوميديا، وإن تخللته مساحة كبيرة من الرعب.
البداية كما تقول فرح الابنة، كانت عن طريق صديقة لها، رشحتها لأداء دور تمثيلي مع المخرج الخاجة، وعندما طلب منها مساعدته في إيجاد دور الأم، أخبرته عن أمها، ففوجئ وبدت علامات الرفض على وجهه، وسرعان ما تبدلت قناعته حينما رأى الأم ولمس في عينيها حباً واحترافاً تمثيلياً لم يتكشف بعد.
وتضيف فرح الشرف أنها وأمها توجهتا إلى موقع التصوير، الذي آثر المخرج أن يكون حقيقة في بيت مهجور ومسكون، يقع في منطقة مردف في دبي، مشيرة إلى أن تصوير العمل تواصل مدة عام، فيما التمثيل ظل واقعاً ممتعاً بالنسبة لفرح وأمها، اللتين أمعنتا النظرة الاحترافية في أداء دوريهما على أكمل وجه، وذلك دون الحاجة للمساعدة في بعض المشاهد التي لا تخلو من الصعوبة، ومنها عندما أصرت فرح على القفز لأداء مشهد تمثيلي، أو عند وضع مساحيق تجميل حارة ومزعجة على وجهيهما لتجسيد واقع مختلف تواصل لساعات.
الفنانة منى عبدالله، كانت تصر منذ طفولتها على حلم التمثيل، وسعت إلى البحث عن مخرج يوصلها إلى حلمها، ولكن دون جدوى، وفي الوقت الذي أضحت فيه أماً، وافقها القدر في أن تؤدي الدور الأصعب والأنسب سينمائياً، وذلك برفقة ابنتها الشابة فرح.
وتوضح الفنانة منى أن العائلة، ولا سيما زوجها وقف إلى جانبها لمساعدتها في تحقيق حلم راودها منذ الصغر، وبالتالي تحفزت بمشاركة ابنتها لأداء دور أم تواجه أصعب المواقف الحياتية وتتغلب عليها، وذلك دونما تجد حرجاً حتى في أداء مواقف تمثيلية تتطلب منها الصراخ والبكاء لساعات طويلة، وكانت في المجمل الاسم الذي ساهم في نجاحه من رفع قيمة العمل الفني الغرفة الخامسة.
ويروي الفيلم حكايات لا تُمل من العلاقات الأسرية، تجسدها باحتراف أم وابنتها في حقيقة الواقع، والفيلم الذي نال شهادة تكريم خاصة من لجنة تحكيم مهرجان الخليج السينمائي، يحظى الآن بفرص عرض في دور السينما، وهو لا يزال يشدُّ الآلاف من الجمهور الخليجي والعربي لمتابعته، لا سيما وقد حمل في طياته جملاً لا تنتهي من الإثارة والمتعة والعبرة.
حالياً ـ ربما تفكر ـ الأم الفنانة منى عبدالله بالعودة في وقت لاحق لاستكمال الأداء التمثيلي للجزء الثاني من فيلم الغرفة الخامسة، على أمل أن تجسد سينمائياً بعض ملامح العلاقات الأسرية، وتتعالى في رسم صور أوفى من الحب والحنان والعطف الأسري، وهي تبحث عن ابنها فارس، الذي أخذته ظروف الواقع التمثيلي إلى متاهات متشابكة، وللفيلم حكاية أكثر تعبيراً، أما الواقع فيبقى أشد نصاعاً في بياض العلاقة التي تجمع الأم منى عبدالله مع عائلتها الحقيقية، ولعل العلاقة كادت أن تكتمل في الفرحة والمتعة، لولا أن للقدر كلمة تقال.
علاقات أسرية مثالية بين أبناء عائلة فنية
الفنانة منى عبدالله أم وليد في الواقع، هي أم لثلاثة أبناء: فرح ووليد وخالد، وزوجة تقدر ظروف العائلة وتحترم خياراتها، تسود علاقتها بأفراد عائلتها ملامح واسعة من الصداقة والاحترام، وتحلم دوماً بأن تحقق لأبنائها سعادة لا تطال.
في التمثيل، كثيراً ما أساءت فرح إلى أمها في جمل مصطنعة تدل على عقوق الأبناء، وفي الواقع تعيش الابنة مع أمها حالة مكتملة الاحترام والحب والحنان.. وتقول فرح إنها كانت تجد حرجاً كبيراً من أداء بعض أشكال العقوق التمثيلية مع أمها، ولكون أن الضمير ظل يؤنبها، كانت تلجأ على الفور لطلب السماح والاعتذار من أمها، التي كانت تشجعها على أداء الدور التمثيلي دون حرج كما تقول.
فرح الشريف فتاة في العشرينات من عمرها، تعمل موظفة في بنك الإمارات، وتدرس إدارة الأعمال في جامعة الإمارات، أما الأم فهي واحدة من سيدات الأعمال في دبي، إضافة إلى كونها أما ومربية تصادق أفراد عائلتها عن قناعة أمومة وطيب نفس.
الحواس الخمس وبعد إجراء الحوار مع الأم وابنتها، فوجئت بنبأ وفاة ابنها وليد في حادث سير في دبي، ولكن للقدر سلطة لا يطالها بشر، وفي هذا المقام لا يسعنا إلا أن نقول »إنا لله وإنا إليه راجعون«، رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه، وألهم ذويه الصبر والسلوان.
دبي ـ عنان كتانة
