كالبحر في عطائه لعشاق الأرض، وكالسماء التي تحمل الغيث لأصقاع اليباب، فتحوله إلى ربيع أخضر؛ كذلك العراق بمبدعيه الذين تنتهي الكلمات، وتخبو المفردات عند عتبات أسرارهم اللامتناهية، ومعرض «نحت وخزف» للفنانين العراقيين النحات معتصم الكبيسي والخزّاف أوس عبد المنعم الذي تحتضنه قاعة «قباب» للفنون في أبوظبي؛ خير شاهد على الدهشة والجمال والسحر، الذي تهبه أرض الرافدين للعالم، في انتصار صريح لإرادة الحياة والخير والجمال، على جبروت الشر والقتل الذي حاول ولا يزال، أن يطمس ويُقزّم عملاق الرافدين الخالد.
عن تجربته يقول الخزّاف أوس عبد المنعم: منذ طفولتي، بدأ تعلقي بعالم الخزف الذي يعتبر من الفنون العراقية الأولى في الحضارات القديمة، وحين التحقت بمعهد الفنون الجميلة وبعدها في الأكاديمية، اخترت الخزف لأنه يجمع عناصر الفن الثلاثة اللون والنحت والخزف، وجمع العناصر الفنية في قطعة ثلاثية الأبعاد، يجعل منها كائناً يسعى إلى الكمال الفني بأدوات الخزاف.
وتلقيت أول دروسي على يد الفنانين الأساتذة مؤيد نعمة وأسطة سلمان وأمين عباس، الذي نهلتُ منهم الجرأة وتطوير الفكرة لتصبح كائناً جميلاً، وأعتقد أن جينات الشعوب التي تعاقبت طيلة 7 آلاف سنة على العيش في بلاد الرافدين، تلعب دورها في صقل الموهبة الكامنة، لدى الإنسان العراقي في حال سعى لتطويرها.
وغني عن القول، إن فن الخزف في العراق مر بمراحل بالغة الصعوبة أيام الحصار الاقتصادي الذي فرض أثناء حكم النظام السابق، فعطلت العديد من الأفران الحرارية التي يعتمد عليها الخزافون هناك بسبب انقطاع التيار الكهربائي، واختفاء المواد الخام من السوق الفنية العراقية، ورغم ذلك فقد استطاع أوس عبد المنعم أن يتجاوز الجغرافيا، حيث تقتني أعماله أكبر دور العرض في الخليج والأردن والولايات المتحدة وأوروبا.
ورغم اعتماد الخزف على «الطين» في تكوينه وبروز أنواع عدة منه على مستوى العالم؛ إلا أن عبد المنعم يرى بأن «الطين العراقي» يملك عنوان الجودة العالية، إذا ما تمت معالجته عن طريق «التخمير»، وهو لا يرى «أكوام التراب» باعتبارها ذرات أرضية ميتة، بل يرى فيها الحياة، ويقول في ذلك: «حين أرى التراب؛ أرى أعمالاً فنية تناديني لأشتغل عليها».
يقدم أوس عبد المنعم في المعرض الحالي؛ نماذج وأشكالاً جمالية متفوقة، من حيث التكوين واللون والتشكيلات، وهي تعتمد في مدلولاتها على الميثولوجيا العراقية التي تنبض بالحياة.
أبوظبي- محمد الأنصاري
