تبدأ مقدمة البرنامج الإذاعي «المسابقة التراثية» على محطة «إمارات إف أم» بكلمات مضيئة بصوت المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يحث فيها شباب الوطن وأجياله، على الحفاظ على التراث والتقاليد العربية الأصيلة، التي رأى فيها، رحمه الله، خير حصن ودرع للوطن والإنسان الإماراتي في حاضره ومستبقله.

ورغم ظهور العشرات من البرامج الإذاعية في المشهد الإعلامي العربي والإماراتي بوجه خاص؛ إلا أن استمرارية ونجاح برنامج «المسابقة التراثية» الذي يبث مساء كل أحد على «إمارات FM» طيلة 13 عاماً، يأتي من كونه الأقرب إلى قلب الجمهور الإماراتي والرعاية المتواصلة من قبل المسؤولين في أبوظبي، لنشر المعلومة المحلية المفيدة ونشر التراث الإماراتي بكل صوره وهو الخط الذي سار عليه البرنامج منذ ظهور عام 1996.في محاولة، لرصد استمرار البرنامج وأسرار نجاحه، كان ل«الحواس الخمس» وقفة مع كادر «المسابقة التراثية» في شبكة أبوظبي الإذاعية، حيث يقول يعقوب الروسي مراقب عام «إمارات FM» ومخرج البرنامج: «المسابقة التراثية» من أشهر وأنجح البرامج التراثية على مستوى الإمارات ومنطقة الخليج.

وما استمراريته طيلة هذه السنوات بمتابعة جماهيرية كبيرة؛ إلا دليل على قوة حضوره جماهيرياً وتقديمه بشكل مغاير يجمع بين المعلومة التراثية عن الدولة، وطرحه لكل ما يتعلق بالتراث الإماراتي ومساهمته الحقيقية في الحفاظ على التراث المحلي، وتقديمه للمستمع الإماراتي والعربي بصورة احترافية وباللهجة المحلية المحكية».

وحول مضمون البرنامج، يوضح الروسي قائلاً: «إن فقرات المسابقة التراثية منوّعة ومتجددة، وهي تشمل الوطن في كل تفاصيله، حيث نسلط الضوء في كل حلقة على مدينة أو منطقة في الدولة.

وتعريف الناس بتاريخها وسبب تسميتها وأبرز أعلامها، ونقدم أيضاً إضاءة على تاريخ شخصية إماراتية، أسهمت في الحياة فكرياً وأدبياً وثقافياً، إضافة للأغنيات الأرشيفية القديمة من شلاّت ورزفة وعيّالة.

ومن أبرز فقرات البرنامج فقرة «قصائد زايد» التي يلقيها الباحث التراثي والإعلامي راشد الكندي المرر بصورة حصرية، كما نقدم في حلقات متعاقبة حكايات من التراث العربي باللهجة الظبيانية مثل «الزير سالم»، التي يؤديها على الربابة المرحوم أحمد الكندي، بينما يطرح سؤال على الجمهور عن واضع قصيدة معينة، وتبلغ قيمة الجوائز 10 آلاف درهم لكل حلقة، أما الجهة الداعمة فهي هيئة أبوظبي للثقافة والتراث».

رسالة وطن

وتقدم «المسابقة التراثية» المذيعة الإماراتية حصة الفلاسي منذ حوالي سنة؛ عن تجربتها مع البرنامج تقول حصة الفلاسي: «رغم تخصصي في التقديم التلفزيوني.

فقد تشرفت بتقديم «المسابقة التراثية» التي اعتبرها رسالة الوطن والأرض للشعب الإماراتي والمقيمين على أرض زايد الخير، وتأتينا عبر البرنامج الكثير من الاتصالات من أشقائنا العرب خارج الدولة، وأفرح بها كثيراً كدليل على إيصال وتعريف تراثنا لأخوتنا في كل مكان، وهذا الانتشار العربي رغم أن البرنامج يحمل خصوصية إماراتية، أكبر دافع لنا للاستمرار».

المشرف العام على البرنامج ومقدم قصائد «الشيخ زايد» راشد علي الكندي المرر؛ بدأ رحلته مع «المسابقة التراثية» مستمعاً ومشاركاً منذ السنوات الأولى للبرنامج، ليتشرف بعدها باستدعائه من قبل المسؤولين من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (الجهة الراعية للبرنامج) للعمل مشرفاً على البرنامج.

وتقديم فقرات القصائد فيه، يقول راشد المرر: «إن أبرز ما يحمله البرنامج من مضامين هو توجهه نحو ترسيخ الهوية الوطنية ولهجة أبوظبي القديمة بين أجيال الإمارات، وقد سجلت بصوتي وبحق حصري لأكثر من 30 قصيدة من قصائد المغففور له بإذن الله الشيخ زايد، وأقربها إلى قلبي «يا خفيف الروح»، رغم أن جميع قصائده، رحمه الله، كنوز أدبية نادرة».

مجلس الشعراء

عن الواقع الشعري الإماراتي، يقول الشاعر راشد الكندي المرر: «لقد ساد في السنوات الأخيرة نوع شعري في المشهد الإماراتي المحلي، تحت مظلة ما يعرف «اللغة البيضاء» التي أرى أنها «لغة عرجاء»، فلا هي إماراتية ولا هي نجدية؛ وكأنها ذلك الغراب الذي أراد أن يصبح حمامة فأصبح نشازاً لا يحمل هوية.

وقد اختفت واندثرت تدريجياً لهجة الإمارات الشعرية في القصائد، وهي جزء من هوية أبوظبي والإمارات وهذا أمر يؤسف عليه، ومن أهداف البرنامج الحفاظ على روح الهوية الإماراتية والظبيانية من المفردات الدخيلة.

كما أننا نقدم من خلال البرنامج ألواناً من الفنون المحلية التي تختص بها أرض زايد الخير مثل: «المنكوس»، و«الطارق»، و«الونّة»، و«التغرودة»؛ التي ما زال بعض الشعراء والأدباء، يحافظون عليها في المنطقة الغربية.

وأعتقد أن حالة الوعي يجب أن تدفع القائمين على مؤسساتنا لتوثيق وأرشفة التراث الشفاهي والمحكي الذي بات معرضاً للزوال مع رحيل العديد من أدبائنا الشعبيين لكبر سنهم، ولدينا أكثر من 20 قناة فضائية غنائية، ولم يفكر أحد بإنشاء قناة تراثية تقدم تاريخنا لأجيال اليو،م وتصل بتراثنا إلى المنطقة والعالم، وهو إرث غني، لا يقل أهمية عن الثروات المادية التي حبانا الله بها».

وطالب المرر بإعادة إحياء مجلس الشعراء، الذي كان يعقد قديماً في إمارة أبوظبي، ولكن بصورة مطورة، تصل بالرسالة التراثية إلى المتابعين من المهتمين بالشعر الإماراتي الأصيل.

ويرى الكندي، الذي ينحدر من عائلة أدبية لها ثقلها في الساحة الإماراتية، أن أحد أسمى الأهداف التي سعى إليها مؤسس الإمارات الشيخ زايد يتمثل في تأصيل الروح التراثية، والحفاظ عليها لدى شعب الإمارات، ويجب أن لا تبقى تلك الأهداف لجهود فردية أو مؤسساتية بسيطة، بل يجب أن يتجه الجميع صوب تحقيقها.

عاشق التراث

يعتبر مُعد البرنامج الباحث الإماراتي سعيد بن كراز المهيري أحد أبرز الموثقين لتراث الإمارات وأبوظبي، ويقوم المهيري بإعداد فقرات البرنامج المختلفة، بدءاً من «حكاية قصيدة» التي يتتبع فيها مصادر متعددة، لتعريف المستمع بحكاية قصيدة معينة.

وفقرة «حكاية مكان» التي ترحل بالمتلقي إلى أعماق تاريخ الأمكنة الإماراتية، أما الفقرة الأبرز والتي أخذ البرنامج اسمه منها «المسابقة التراثية» فيعرض فيها المعد لمقطع من قصيدة شعرية إماراتية تحت عنوان «من القائل».

ويتنافس فيها المتصلون للفوز بجوائز البرنامج. يقول المهيري: «إن جهد الإعداد للبرنامج متعب ومرهق وجميل في الوقت ذاته، فهو مرهق لقلة المصادر المكتوبة والبحث بصورة مضنية عن المعلومة ومقارنتها بغيرها من معلومات، وهو جهد جميل لشعوري بمقدار الخدمة الوطنية التي أؤديها من خلال البرنامج وتواصل المستمعين مع البرنامج هي خير جائزة أنالها».

ويضيف المهيري قائلاً: «إن ما يميز «المسابقة التراثية» عما يقدم في محطات الإمارات التلفزيونية والإذاعية؛ كون البرنامج يحمل صفة «إماراتي 100%» بجميع تفاصيله وعناوينه ويحمل من الخصوصية، ما أهّله ليكون البرنامج الإذاعي الأول جماهيرياً على مستوى الدولة، وهو يحظى برعاية ودعم مباشر من قبل القيادة الرشيدة في أبوظبي بصورة غير محدودة».

يتضمن «المسابقة التراثية» مجموعة متميزة من الأغنيات والألحان الإماراتية القديمة؛ ويبرز هنا دور الإعلامي محفوظ أبو عيدة من المكتبة الموسيقية في البحث عن الأعمال المميزة وتقديمها، يقول أبو عيدة: إن الأرشيف الفني الإماراتي .

ورغم حداثته مقارنة ببلدان أخرى- إلا أنه ثري وغني بالأصوات والألحان العذبة والبحث في المكتبة الموسيقية بالنسبة لي، يبعد عن كونه عملاً مجرداً، بل هو متعة حقيقية وتحليق في حديقة الذكريات الإماراتية الجميلة.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري